الثـــورة الحمــراء

يوسف أبو لــوز

* دار الخليـج





أطلق بعض ممن تابعوا مجريات الانتفاضة التونسية عليها وصف “ثورة الياسمين”، نسبة إلى تلك الزهرة البيضاء التي يحبها التونسيون ويضعها الرجال خلف آذانهم وهم يلعبون الورق أو في حالة من المرح، وكأن هذه الزهرة ترمز بالنسبة للتونسيين إلى التفاؤل والأمل، الأمر الذي وجدوه في الثورة التي استمرت أكثر من شهر . . صحيح أنه سال خلالها دم وذرفت دموع، لكن عنف السلاح وشراسته لم يكن طاغياً في الشارع التونسي الذي أخذ يستعيد صوت أبي القاسم الشابي ويردّد حتى الآن:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بدَّ أن يستجيب القدر


واستجاب القدر لإرادة الشعب التونسي، ومهما كانت ثورته من ياسمين أو من ذلك الرماد الذي علق على عربة خضار بوعزيزي الذي أحرق نفسه في وضح النهار، فإن الثورة التونسية حققت الكثير من أهدافها، والياسمين صارت رائحته أحلى وتونس خضراء خضراء .

في مصر وفي ميدان التحرير، وصف البعض انتفاضة الشباب ب”الثورة الضاحكة”، ذلك أن الشخصية المصرية التي تتسم بخفة الدم وسرعة البديهة خصوصاً في صناعة النكتة وتأليف الشعر وإطلاق الأغنيات العفوية بسليقة لغوية شعبية محببة، هي في النهاية تنطوي على نوع من ثقافة الضحك أو مزاج الضحك، وهكذا اقتربت صورة انتفاضة ميدان التحرير من صورة الشخصية المصرية نفسها التي راحت هي الأخرى تستعيد من ذاكرتها بعض الأشعار والأغنيات التي كانت سائدة في مصر الستينات والسبعينات من القرن الماضي بأعصاب وقلوب الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وسيد درويش . . إلخ .

ثورة مصر سال فيها دم ودموع أيضاً، وشهدت دخول البغال والحمير والبلطجية إلى ميدان التحرير، لكن قامت الثورة بطرد هؤلاء بسرعة لتنتصر إرادة شعب طيب وحميم في نهاية الأمر .

نأتي الآن إلى الانتفاضة الليبية، فإذا أردنا أن نعطيها لوناً معيناً مثل اللون الأخضر ونطلق عليها وصف “الثورة الخضراء” فإنه من المستحيل إطلاق هذا الوصف لأن الكثير من فئات الشعب الليبي عندهم عقدة من هذا اللون يمكن تسميتها “فوبيا اللون الأخضر” .

ما اللون الذي يمكن إطلاقه على الثورة الليبية؟

أعتقد أنه اللون الأحمر . . فالدم في هذه الجماهيرية أصبح أكثر من الماء، والدموع حفرت مجراها في الرمال .

البغال والخيول في ميدان التحرير أرحم مليون مرّة من الدبابات والطائرات وقطعان المرتزقة .