تَبْديد فُرَص الاسْتِدراك

خيري منصور

* دار الخليـج






قد تبدو هذه المشاهد التي يحجب الدخان والغبار الكثير مما يدور وراء أكماتها وفي كواليسها مثيرة للدهشة وصادمة إلى حدّ ما، ليس فقط بسبب التزامن الدراماتيكي، بل للتشابه الذي يوشك أن يكون نمطيّاً، أعداد غفيرة من الناس ومن مختلف المهن والأعمار تندلع من القمقم، وشرطة تعترضها لبعض الوقت ثم تختفي، وصمت حذر من العَسْكر سرعان ما ينتهي إلى تدخل لحفظ الأمن والممتلكات والسّيادة أو ما تبقى منها .

خطابات متشابهة أيضاً تتدرج من الوعد بالإصلاح إلى التحذير ثم النذير . ووسط هذا الصّخب تأتي التحليلات من كل صوب لتكرر ما سمعناه بالأمس وما قبله، فالعبارات التي تتكرر بمختلف اللغات على الشاشات هي ذاتها . . فقر وبمعنى أدق افتقار، وطغيان وحَجْر على الحريات والتعبير، لكن قلّما يذكرنا أحد بتلك العقود التي مرّت مغمورة بالصمت والتواطؤ المريب، وكأنها حقبة مسكوت عنها، ومحظور الاقتراب منها .

فهل كانت الشعارات والمناسبات والاستعراضات العسكرية والأعياد الوطنية والمواسم الانتخابية مجرد سراب؟ أم أنها حفلة تنكرية تحوّل فيها كل شيء إلى نقيضه؟ وأصبحنا بحاجة إلى قواميس جديدة كتلك التي اقترحها جورج أورويل في روايته الشهيرة (1984)، بحيث تعني كلمة الحرية القيد، والديمقراطية الديكتاتورية والنظم الشمولية، والوئام الوطني حرباً أهلية باردة بانتظار حاضنات التسخين؟

لقد بدت تلك العقود كما لو أنها شهر عسل طويل بين حكام ومحكومين، خصوصاً إذا احتكمنا إلى ما يقوله الإعلام الذي تحوّل إلى إعلان، فهوّن ما شاء تهوينه وهوّل ما شاء تهويله أيضاً، بحيث يصبح القبر الجماعي أو المجزرة مجرد حالة عصيان تم وأدها في المهد، وتصبح عبارة جريئة يطلقها صحافي أو شاهد عيان جريمة تتسبب في إشعال الفتنة وتدمير الوحدة الوطنية .

أين كنّا إذاً وأين كان هؤلاء؟ وهل كان التاريخ تاريخين، أحدهما جوفيّ لا نراه والآخر يجري على سطح الأرض؟

إن أول شروط ترشيد الصدمات والخروج من حالة الاندهاش هو استقراء تلك العقود الأربعة أو الخمسة العجاف التي مرّ بها عرب النصف الثاني من القرن العشرين، فثمة نظم جرّبت القطاع العام وما يسمى التسيير الذاتي، ثم اندفعت بما يشبه الثأر إلى الإفراط في الخصخصة، وثمة نظم صدقت أنها خالدة وأبدية، وأن كل ما هو على سطح الأرض وفي باطنها من إنجاز عبقريتها وأيديها، بحيث أصبح الربط عضوياً بين مصائر الأوطان والأشخاص، لهذا لا تسمى الهزائم العسكرية الكبرى باسمها الصريح، لأن النظم بقيت على قيد الحياة، والنظم في نهاية المطاف هي المعادل الموضوعي والتاريخي للشَّخْصنة .

كان أمام العرب خلال تلك الفترة التي شهدت متغيرات زلزالية على امتداد العالم أن يحاولوا الاستدراك، خصوصاً بعد الحرب الباردة التي تركت بعض النظم في العراء، وقد تدنت تسعيرتها السياسية إلى درجة الصفر .

لقد تمّ تغييب النقد الذاتي، وهو الحصانة الأساسية التي يمكن من خلالها تدارك متواليات الأخطاء، وتحويلها إلى كوميديا شكسبيرية كتلك التي عاشتها دول ثم تشطيرها كبرتقالة .

الكرة الآن في أحضان من تولوا قراءة جبال الجليد من سطوحها وليست تحت أقدامهم . . ومن يُصْدَم بما يجري هو آخر من يعلم .