فيلم «أبي من حيفا» .. الوجع الفلسطيني جيلا بعد جيل
* الدستــور الاردينــة
لم تَحُل المَشاهًد الغائمة في الفيلم الوثائقي "أبي من حيفا" ، والتي التقطتها كاميرا مرتبكة ترتجّ في مواضع كثيرة بطريقة مزعجة للنظر ، على الرغم من كونها تسعى لإسباغ صبغة من التقنية على التصوير ، دون أن تشدّ المتابًع حتى نهاية العرض.
حدث هذا أول من أمس ، حين تم عرض الفيلم في الهيئة الملكية للأفلام ، وسط حضور كثيف حرص على البقاء حتى اللحظات الأخيرة ، ما استدعى إعادة العرض مرة أخرى.
قد يكون الاسم الذي حمل دلالة مباشرة عن "ثيمة" الفيلم ، هو ما استقطب الجمهور منذ البداية ، بيد أن الإيقاع البطيء للأحداث ، وإبقاء لحظة الذروة حتى النهاية ، هو ما أفلح في ضمان متابعة الجمهور حتى المشهد الأخير: إذ لم تظهر حيفا سوى في ختام مشاهًد الفيلم الذي لم تتجاوز مدته الساعة.
يستعرض مخرج الفيلم عمر الشرقاوي حكاية والده المسنّ ، النزق ، والذي بقدر ما تعاطف الجمهور مع انفعالاته لا سيما حين زار ضريح والده في دمشق بقدر ما أثار استياؤه حين قال في واحدة من عباراته إنه قد يتزوج إسرائيلية لو عاد به الزمن: إذ المهم هو السعادة والإيمان بالله وأن تكون الزوجة طاهية جيدة ،
انطلق الوالد ، الذي غادر حيفا حين كان في التاسعة من عمره ، مع ابنه عمر نحو دمشق ، التي التجأت عائلته إليها إثر نكبة العام 1948 ، ومن ثم إلى فلسطين عن طريق مطار فيّنا ، ليكون هذا التوازي بين مَشاهًد المنفى في الدانمارك واللجوء في دمشق والوطن وتحديدا في القدس وحيفا ، إشارة ذكية من المخرج عن تنازع المحاور الثلاثة لحياة الفلسطيني حتى اليوم ، لا سيما حين كان يعزز الإًشارة الآنفة تكرار الوالد سؤاله الحزين عن المكان الذي قد يموت فيه.
حضرت مشاهًد الحرب على قطاع غزة في العام 2008 ، جنبا إلى جنب مع ذكريات الوالد عن النكبة ، التي كان يسردها في ثوانْ متقطعة ، بالعربية وبمشاهد مبهمة ، كإشارة لمنظومة الظلم الممنهج الذي ما يزال الفلسطيني يرزح تحت وطأته منذ ستة عقود ونيف.
"فلسطين زي إمي ولدتني وصابتها غيبوبة" ، "وأخذتني أختها. لسة ما ماتت بس في غيبوبة".. بهذه الكلمات العفوية ، استطاع الوالد رسم صورة شجية عن حياته المليئة بالأوجاع الوطنية منذ غادر فلسطين.. صورة جاءت محاطة بتفاصيل موغلة في الحزن ، بدءا من اللوحات التشكيلية الفلسطينية الموزعة في بيوت اللاجئين ، مرورا بشجرة العائلة التي ما زالت جلّ الأُسر الفلسطينية تحرص على لمّ شتاتها ولو على الورق ، وليس انتهاء ببلاط الدار الشاحب الذي ما يزال ينتظر أهله في حيفا منذ ستين عاما.