إمّا . . أَوْ

خيري منصور

* دار الخليـج





هذا عنوان كتاب شهير للفيلسوف الوجودي الذي عبّر عن الجناح المؤمن من الوجودية سيرين كيركفورد، ورغم عدم تعلقه بالسياسة فإنه في الصميم من أطروحاتها، أراد الفيلسوف ذلك أم لم يردْ . .

والمفترق الحاسم بين هذين الخيارين قد يمتد ليشمل فعاليات الحياة كلّها وإن كان لنا كعرب الآن أن نقرأ هذا العنوان في ضوء الحراك الراعف، فإن المسألة تصبح باختصار إما الاستبداد أو الاحتلال، وقد بدأت هذه المعادلة الخرقاء عشية احتلال العراق، يوم بلغ الالتباس في قراءة المواقف السياسية ذروته، إذ سرعان ما فسّر أصحاب النوايا المسبقة والمدججة بشهوة التحريض مواقف المثقفين والناشطين العرب الرافضة للاحتلال على أنها تتخندق مع النظام العراقي يومئذٍ، ولم تفلح كل الأطروحات المنطقية التي قال أصحابها إنهم ضد الاستبداد والاحتلال معاً، في بلوغ المرسل إليه، وهو القارئ أو المشاهد العربي في تلك الأيام لدراما قومية لم ينفك الاشتباك بعد بين حلقتها الأولى وحلقتها الختامية .

الآن، لا بد من تكريس هذا الوعي المركب وغير الأفقي أو أحادي البعد، وهو أننا كعرب تجرعنا مرارات مزمنة في القلب والذاكرة جراء الاحتلالات وأشكال الوصاية نرفض الاثنين معاً . الاستبداد والاحتلال فهما حليفان حتى لو أنكر كل طرف منهما ذلك، لأن الاستبداد يؤدي عندما يتفاقم ويكمم الأفواه وينزع الوعي إلى سبب مباشر في تجريف الطاقات الوطنية، إضافة إلى تقديم جملة من الذرائع لمن يرون أنهم سدنة الحريات والديمقراطيات في هذا الكوكب رغم أنهم يمارسون انتهاكات وإبادات وينحازون إلى قوى وحشية على حساب الضحايا كما يحدث في فلسطين .

إن هذا الموقف الثالث رغم ترتيبه هو الأول بامتياز، لأنه تعبير تاريخي وعضوي أيضاً عن رفض حالتين شاذتين في سياق التطور الإنساني، وهما الظلم والاحتكار والاحتلال واستباحة الثروات والمقدرات للشعوب .

فهل أزف الوقت الذي راهن عليه مثقفون أسيئ فهمهم إعلامياً، لقبول هذا الرفض المزدوج، كمقابل لفلسفة الاحتواء المزدوج؟ وهل علينا أن نختار بين المستبد أو المحتل؟

لقد خاضت عدة شعوب مثل هذه الحرب المعقدة واستخدمت سلاحاً ذا فوهتين واستطاعت بعد مكابدات وتضحيات أن تظفر بالحسنيين وهما، التحرر من الاستبداد ومن الاحتلال معاً .

لقد جرّبنا عندما تولى القلب الجريح والذاكرة الملتاعة المسكونة بالأشباح نمطاً من التفكير الانفعالي الثأري، ونسينا أن التاريخ ليس مجرد مفاضلة بين الرمضاء والنار .

نعرف كم هي حرب باهظة التكلفة، تلك التي تهدف إلى التحرير من الاستبداد ومن الغزاة معاً، لكن قدرنا القومي منذ قرون وليس الآن فقط هو تعدد جبهات القتال والمقاومة، وعلى من يراهنون على التحرر من الاستبداد بالاحتلال أن يهيئوا أنفسهم لمضاعفة الاستبداد والاستباحة .

إن لكل ظواهر التاريخ بعداً ثالثاً لولاه لما تشكل الماء من عنصرين غازيين، ولكيلا تبدو هذه الكيمياء ضرباً من التوفيق أو التلفيق تعالوا نقرأ تلك التجارب التي نجح فيها الاستبداد في استقدام الغزاة .