هكذا نــــرى
قاسم حداد - امين صالح
* الدستـور الادرنيـة
لم نكن يوماً بعيدين عن نبض الشارع ، عن حركته وإيقاعاته في مختلف حالاته وأجوائه وأمزجته..
لم نكن يوماً بعيدين عن همومه وأحلامه ، عن ضحكه وغضبه..
لكنّا كنا ننأى عن كل ما يحرّف ويشوّه ويلوّث ويفسد. لسنا أكثر براءة ، أكثر وعياً ، من غيرنا ، إلا أننا حاولنا أن نظل صادقين مع أنفسنا ، مع قيمنا ومبادئنا وأفكارنا ، لهذا لم نروّج ، يوماً ، لتعاليم سلطة أو نظام أو حزب أو تيار ديني.. ولعل أشد ما يقلقنا هو التوظيف الديني ، المتطرف والمتعصب ، الذي يجري التسابق به في مجمل المشهد ، فنحن لا نرى في ذلك وسيلة أو حلاً أو أفقاً لمشكلات حياتنا. قبل أسبوعين ، اغتسلت هذي الأرض بدماء طاهرة ، نقية ، ثم بكت البكاء الذي رجّ القلوب وشلّ الأحداق. سالت الدماء الشجاعة والنبيلة من أجسام شجاعة ونبيلة أبت أن تمرّ أمامنا مثلما يمرّ الحدث العابر. لا ، ليسوا رقماً ولا عدداً.. زرعوا فينا أسماءهم ، إسماً إسماً ، رسموا فينا وجوههم ، وجهاً وجهاً ، كي لا ننسى بشاعة الحدث وعنفه وجنونه.. ثم مضوا يذرعون ميادين البلاد على مهل.
لم نكن يوماً بعيدين عما يحدث..
نؤمن بحق الشعب ، بكل فئاته وطوائفه وأفراده ، في التعبير سلمياً عن مطالبه المشروعة في العيش بحرية وكرامة ، في تحسين أوضاعه المعيشية والقضاء على البطالة والفساد ، في إعادة النظر في التجنيس السياسي ، والقوانين التي تحول دون تحقيق حريات المجتمع أو تعطل مشاركاته العادلة في الحقوق والواجبات ونحن ضد العنف والمعالجات الأمنية لمشاكل حياتنا. لكننا لا نتفق مع بعض الشعارات المرفوعة في الشارع ، تلك الشعارات العنيفة التي تدعو إلى إسقاط النظام ، الآن وفوراً ، في وقت نرى إمكانية تحقيق مكاسب معينة عبر حوار وطني شفاف وديمقراطي. لا نريد لهذه الاحتجاجات الشعبية أن تديرها التيارات الدينية ، الطائفية ، فتحرّف المطالب وتشوّه الحقوق وتوجّه الحركة وُجهةً ليست خاطئة فحسب ، بل مضادة ، وقد تفضي إلى التناحر. كذلك نرفض القوائم السوداء - بكل مسمياتها وعناوينها ومبرراتها - التي يبتكرها كل طرف من أجل قمع وتخويف وتخوين وتصفية الآخر: هذه الممارسة ، أو هذا السلوك ، الذي يتنافى مع أبسط قواعد الديمقراطية ، التي تقوم على حق الاختلاف والحوار والجدل ، واحترام الرأي الآخر.
نرفض التعامل مع الفرد بوصفه ككائن تابع ، خانع ، قابل للاغواء أو التهديد أو الابتزاز. نؤمن بحرية الفرد ، وحقه في التفكير واتخاذ الموقف الخاص والمستقل ، دون أن يُفرض عليه موقف ما ، أو الضغط عليه كي ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك. لسنا في موقع الوصي والموجًّه والمرشد والمنظًّر.. لا نحسن هذه المهن.. نحن أفراد نرى الهاوية أمامنا ، فاغرة الأشداق ، فنلتمس من الجميع أن يحذر وينتبه.. هذه الأرض لا تحتاج إلى دماء.