أثارت بعض المنتديات ووسائل الإعلام منذ أيام مشاركة شاعرة سعودية في مسابقة «شاعر المليون»، وقد وصل الأمر لمطالبة بعضهم إياها بالخروج من المسابقة أو خلع حجابها، إلا ان الشاعرة التي تمت مهاجمتها لحد القذف والاتهام بعدم مراعاتها متطلبات الزي الإسلامي، واختلاطها بالمتسابقين وإلقاء القصائد بصوتها العورة أصرت على الظهور بنقابها وردت على المهاجمين من خلال قناة العربية بقولها: «لابد ان تعرف المرأة البدوية أن الحجاب لم ولن يقف عائقا أمام الإبداع».


ولو كان الهجوم على المسابقات الشعرية قد وقف عند حد رفض مشاركتها كامرأة منقبة لاعتبرنا الغيرة الدينية مسوغا، لكن الأمر تجاوز ذلك لتصبح المشاركة في المسابقات الشعرية كلها غير واجبة لأنها من أعمال الجاهلية، وتنشئ الفتنة والحقد والكراهية في نفوس الصغار قبل الكبار وتولد الحقد والكراهية بين القبائل.


وهو ما أفتى به أحد كبار العلماء في الجزيرة العربية، الأمر الذي يجعلنا نستغرب ممن يسيئون للدين الإسلامي بأحكامهم التي لاتعكس عمقا في التفكير بل وتنفر الأفراد منه لاسيما عندما يصبح الإسلام بوقا لتحريم كل ما ترفضه العقول أو الأعراف الاجتماعية أو السياسات التي ننتهجها.


فكثير من السيدات الأوائل في تاريخ الإسلام كتبن وانشدن الشعر الذي عرفت به العرب دون غيرها، وقد كانت لهم أسواق تقام فيها محافل شعرية يتبارى فيها الشعراء في المدح والهجاء وغير ذلك من الأغراض الشعرية التي لا يمكن ان نقول انها غير موجودة كمظاهر اجتماعية في حياتنا اليومية حتى وان لم تكن في قصيدة.


فعلام يأتي تحريم الشعر اليوم وتحريم المشاركة في المسابقات الشعرية؟ وعلام تحرم المرأة من المشاركة في مسابقة شعرية وهي ملتزمة ومحتشمة على القنوات الفضائية في الوقت الذي يسمح لغيرها بالظهور في مختلف الفضائيات والاختلاط بإسفاف دون حاجة وعلى أعين الملأ دون خجل؟


بعض الأحكام والفتاوى الدينية تصور للمتابع ان الأمور العظيمة للأمة التي تستحق الاهتمام بها قد انتهت ولم يبق الا صغائر الأمور التي يفترض ان يترفعوا عن خوض الأحاديث فيها، لاسيما وقد جاءت فتوى المسابقات الشعرية بعد فتاوى أخرى عن مسلسلات تركية لا نعتقد أن علماء الدين قد تابعوها أو أن لديهم الوقت ليسمعوا من تابعها ونقل الصورة إليهم عنها.


الخروج عن الزي الإسلامي أو اللباس المحتشم، والاختلاط دون حاجة بإسفاف، والتعاطي مع الوسائل التي تثير الأحقاد في النفوس، وتؤجج الصراعات بين الناس أمور موجودة في مجتمعات الخليج التي لا يمكن أن تكون كاملة دون عيوب وأخطاء، لكن الواجب الذي نتطلع إليه من المؤسسات الدينية وغيرها هو معالجة هذه السلوكيات والعيوب بدءا من الجذور، من خلال تربية النفوس المريضة أو السليمة قبل أن تمرض، دون زج الدين في سلوكيات لاعلاقة له بها إذا أخطأت النفوس طريقها ولم تحصل على نصيبها من التربية الأخلاقية والدينية والمجتمعية السليمة التي تجعلها تنأى بنفسها عن المرفوض دينيا ومجتمعيا.


«الأطماع والأهداف السياسية» لا ينبغي أن توجه تحت غطاء الدين لأننا وان نجحنا في تحقيق أهدافنا السياسية سنكون بالتأكيد قد فشلنا في دعم الدين الذي سيصبح منفراً وأداة لإثارة الأحقاد والصراعات التي هي في الأصل من أفعال الجاهلية!!