دمعة هيروشيما

يوسف أبو لــوز

* دار الخليــج






الأرض تأكل سكّانها في اليابان، الماء يزحف إلى اليابسة ويحتلها بالكامل، هيروشيما تبكي من جديد، والإمبراطور الياباني الذي بكى عندما استسلمت بلاده عشية الحرب العالمية الثانية يذرف الآن دموعاً أخرى، ولكن بصمت .

شعراء الهايكو، الذين يكتبون قصائد قصيرة يبكون أيضاً، ولكن بدموع تسقط من الأشجار ومن جسد الطبيعة التي يمجّدها الشاعر الياباني بمقدار ما يمجد أمه أو والده، ذلك أن الشجرة والنهر والغيمة والطير هي بالنسبة إلى الياباني حياة كلية لا تنفصل عن كيانه البشري، كأنه مولود من هذه المفردات كلها، وكأنه هو نفسه الأرض والطبيعة والشعر . . والدموع .

لا يبكي الياباني كثيراً، ولا يذرف الكثير من الدموع، ربما لأن عينيه صغيرتان، ولكن لأن قلبه كبير فهو شلاّل دمع من القلب .

إلى هنا، يبدو ما يمكن كتابته عن اليابان وهي تتزلزل بقوة أرضية مرعبة . . سياقاً شعرياً عندما نستعيد ثقافة بلاد الفلسفة والقوة المضمرة في العيون وفي القلوب، فقد خرجت اليابان بعد ضربها بالقنابل الأمريكية قبل أكثر من نصف قرن قوية وصامتة ومعزولة إلى تكوينها الثقافي والمعرفي، لكي تذهب إلى قيم وثقافة العمل وتقاليده الصارمة بسرعة، وكان لا بد من السرعة لأن البلدان والحضارات والثقافات التي تتعرض للإبادة بالسلاح النووي وغير النووي، عليها، إذا كانت تريد الحياة وتستحقها، أن تنهض بسرعة، حتى لو كانت هذه السرعة محكومة إلى تدريج معرفي وثقافي يوصف، أحياناً، بأنه البطء .

نموذج اليابان الثقافي باتساعاته التاريخية والتراثية لا يُحيل فقط إلى سياق شعري جمالي ننبهر به في الأدبيات اليابانية المعاصرة والقديمة، بل، يحيل هذا النموذج المشحون دائماً بالحيوية العالمية إلى قيم مزروعة في داخل الإنسان نفسه، ومن أرفع هذه القيم . . الإرادة القوية . فقط الإرادة، وفقط القرار .

بكت اليابان قبل عشرات السنوات لأن الزلزال جاءها من فوق بالطائرات العابرة للمحيطات، وها هي تبكي اليوم لأن الزلزال جاءها من تحت من قاع الأرض .

رغم كل هذا . . هيروشيما هي هيروشيما، واليابان هي اليابان حتى لو أصبحت الدموع أكثر من الماء في البحار .

قد تزول المدن والامبراطوريات، لكن، يبقى الإنسان .

ذلك منديل صغير من أجل مدينة ومن أجل بلاد .