اعتذار إلى زهر اللوز!

حلمي الاسمر

* الدسـور الاردنيـة







أكتب إليكً برموش العين ، وقد بللها ندى الشوق والحرقة ، أكتب إليكً ، وقد كنت أتمنى أن تكوني بيننا الآن ، كي تشهدي ما عشت طول العمر ترجين وتأملين أن تريه ، فها هم زغب القطا وأشبال جيلك الذي تجرع مرارات الهزائم والقهر ، ها هم يعيدون كتابة سيرتهم وسيرتكم غير الذاتية ، بجمر الحرية ، ها هم يعيدون الاعتبار لكن يا أمهات العرب ، اللواتي غادرن على عجالة ، هما وغما وكمدا ، على حال الأمة ، ها هم ينيرون أول عيد أم في التاريخ العربي المعاصر ، مكلل بالنصر والنرجس ، ها هم يعتذرون لزهر اللوز ، الذي نور مائة عام ، بخجل وحزن ، وآن له أن ينور هذا العام ، بكبرياء وعنفوان وشموخ ، كما لم ينور في أي ربيع كان،.

أكتب إليك ، يا أمي ، وقد تجمعت فيك كل أمهاتنا العربيات ، اللواتي رحلن حسرة على رؤية يوم انتصار ، فأرجو لو أهز بيميني سريرك الترابي ، فتُبعثين من رقدتك الأبدية ، لتهزي مع أبناء هذا الشعب العربي العظيم قلاع الطغاة والاستبداد ، الذين ربضوا على صدورنا سنين عددا ، لتتداعى على رؤوسهم ، بعد أن دفعتن أنتن أمهات العرب ، كل أعماركن حسرة وغيظا ، جراء ما فعلوا بنا وبكن ، فلكل أم منكن قصة وحكاية مع هؤلاء ، فكم توارى الأبناء خلف الشمس ، وكم من ابن عاد قتيلا ، أو تحول إلى رقم في مقابر الغرباء ، أو مجرد ذكرى ، فقد غادر البيت ذات يوم لاهثا وراء مستقبله ، فلم يعد حتى الآن ، وتحول إلى طيف في سجل المفقودين ، أو صورة تخبئها أمه في صدرها قريبا من القلب ، تروي له كل ليلة حكاية الظلم والقهر،.

أكتب إليكً ، وقد هاجت الذكرى في الخاطر ، فقد كنت جزءا من جيل ، كان يُداري الضحكة ، كأنه يعتذر عنها ، يصحو أول أعضاء الأسرة ، ولا ينام قبل أن يتفقد آخر الغياب ، وها أنت تغيبين ، وقد عاد الربيع ، أول ربيع ، منورا بزهور الحرية ، كما لم ينور من قبل،.

أكتب إليكً ، وأمهات العرب في بيداء العرب ، ينتظرن الهدايا ، ولكن ثمة آلاف الأمهات ينتظرن عودة الأبناء من سجون ذوي القربى ، وسجون العدو الصهيوني ، فكلها سجون ، ولكن السجين في سجون العدو يسمونه أسيرا ، أما في سجون ذوي القربى ، فهو آبق مندس أو عميل لجهات خارجية ، أو متمرد على الظلم ، أو خارج على "ولي الأمر ،"فمتى تعود الفراخ إلى أعشاشها ، وتتدثر بدفء الأمومة ، بعد أن أكل صقيع وهجير السجن زهرة الشباب ، وهدأة الكرى،.

أمي،.

أيتها الصابرة المُصابرة ، أهديك في هذا اليوم ، قصص البطولة والرجولة ، التي سطرها أبناء أمتنا ، في شوارع بنغازي وتعز والسويس ، وسيدي بوزيد ، وكل شوارع وساحات التحرير ، في مدننا وقرانا ، وفي الضياع والغيطان والحواكير ، والمزارع ، وفي بيارات البرتقال في يافا أيضا ، التي تنتظر عودة أهلها،.