|
|
نخيل أريحا ما زال شامخا
زياد عودة
* الدستور الاردنيـة
أريحا بوابة الحلم الرائعة ، التي تعزف لحن العودة سعيدة ، وهي تستقبل زوارها بكل حُب وحنان ، ونخيلها يبدو ـ من نهر الأردن ـ شامخاً: يرحب بالعائدين إلى ربوع الوطن بعد غيابْ طويل: يرقص فرحاً بهم ، رغم الأحزان التي تخيم في فضاءات فلسطين الجريحة. فأريحا من أقدم المدن في التاريخ ، وهي أول مدينة مُسورة في العالم ، لها قصص كثيرة منذ أقدم التاريخ مع اليهود الذين قتلوا البشر والحيوانات ودمروا الشجر والحجر فيها ، وما زالت تحمل ذكرى تلك المذبحة التي لا يمكن أن تُنسى بسهولة ، ولم تتوقف عند هذا الحد ، بل تبعتها أحداث جسام ليس من السهل حصرها وازدهرت على مرّ العصور بسبب موقعها المميز ، وآثارها تدل عليها ، ومن بينها قصر هشام ، الذي يُعتبر من أبرز الآثار العربية والإسلامية ، شاهداً على عظمة الحضارة الإسلامية في فلسطين.
أريحا التي تبدو صامتة هادئة ، رغم كل المصائب التي أحاطت بها ، كما أحاطت بأرجاء فلسطين المحتلة ، وقد قدمت عشرات الشهداء الذين امتزجت دماؤهم بثراها الغالي ، ذكرى حب ووفاء: فهي ـ في ظل الاحتلال ـ مدينة صغيرة مهمشة ، رغم أنها كانت مدينة كبيرة يوم كان كل أهلها فيها: أولئك الذين يبدو أنهم تفرقوا في أنحاء الدنيا ، وفي مدن وبلداتْ أخرى ، على امتداد الوطن المحتل ، وبقي النخيل شاهداً على بهائها وجمالها رغم كل شيء. أريحا مفتاح الوطن المسيج بالأسلاك الشائكة ، وبالبوابات المغلقة والخوف من البنادق وقذائف الدبابات الموجهة إليها ، ليل نهار ، ورغم هذا تشعر أنها مدينة تختلف عن كل المدن. يخيّل إليك أنها قطعة واحدة ليس من السهل أن تفصلها بعضها عن بعض ، وقد انتشر النخيل فوق ربوعها علامة محبة وسلام ، ولكنّ الأعداء لا يعرفون معنى المحبة ، ولا قيمة السلام ، ولهذا فهي في حالة طوارئ دائمة ، من مداهماتْ مفاجئة تُخلف وراءها الموت والدمار. جبالها الشامخات ، كانت ـ وما زالت ـ النافذة التي تمرّ فوقها السيارات في محاولةْ للوصول إلى قلب المدينة بأقصر وقتْ ممكن ، تحاشياً للحواجز العسكرية التي أقامتها سلطات الاحتلال عند بوابتها الشرقية ، التي يقصد من إقامتها تعجيز الناس الذين يريدون الدخول إليها أو الخروج منها وقد يستغرق الوقوف على الحواجز ساعات دون تقدير لأوضاع الناس وآلامهم ، ولكن من أجل عيون الوطن وأريحا كل شيءْ يهون.
فسلامّ على أهلها الصامدين ، وألف تحية لها ، ولنخيلها ولعصافيرها التي اتخذت أعشاشاً لها في قمم الجبال.