|
|
هل هو خَلَل بُنْيويّ؟
خيري منصور
* دار الخليــج
عشرات وربما مئات من المثقفين العرب ذوي الاختصاص في النقد ونقد النقد حاولوا بإخلاص تشخيص الخلل في العقل السياسي والمفاهيم المتعلقة بالسّلطة، ومعظم هؤلاء رحلوا وفي نفوسهم شيء من صدى ما كتبوا لدى قرائهم وليس حتى من مثل سيبويه . . ومن أبرزهم الراحل د . محمد عابد الجابري الذي أصدر مؤلفات عدة تتمحور حول نقد العقل العربي، وسلاح هذا العقل كما سماه وهو النقد، وإن كان د . محمد جابر الأنصاري قد استلهم الرؤى الخلدونية للتاريخ، وانتهى إلى أن قدر هذه الأمة هو ما يجتاحها بين حقبة وأخرى من الموجات الرعوية التي تحول دون التطور والتمدين .
والفجوة التي اتسعت وتعمقت بين ما ينتجه هؤلاء وبين الجموع العربية الغفيرة التي تعاني من أميّتين واحدة بالمعنى المتداول للأمية والأخرى أمية أكاديمية لم تتح للحوار أن يبلغ مداه، بحيث يجد العربي في اللحظات الحرجة التي تلتبس فيها الحقائق ما يدافع به عن وعيه أو ما يضيء له الطريق في الغابة والصحراء معاً .
إن تكرار الأزمات على الوتيرة ذاتها يطرح سؤالاً غالباً ما نتهرب جميعاً منه، وهو ألا نقرأ تاريخنا بحيث نتلقح بأمصاله ضد تكرار الكوارث؟ فما قاله جورج سانتيانا ذات يوم ينطبق بدرجة أو أخرى على أحوالنا، وهو أن من لم يقرأوا تاريخهم عمقياً وليس أفقياً قدرهم أن يكرروا أخطاءه .
ومن حق القارئ أن يتساءل عن مناسبة مثل هذه التداعيات، رغم أن مناسبتها مستمرة ما دام هناك حراك بشري، وإن كان الراهن العربي الآن مناسبة كبرى لاستدعاء كل هذه الهواجس والأسئلة، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما كان في القرن التاسع عشر كما سماه عبدالرحمن الكواكبي، وهو من طلائع النهضويين العرب في تلك الآونة طبائع استبداد تحولت بعد قرن ونصف القرن إلى صنائع استبداد، والشكوى المزمنة من هذا الاستبداد لم تنقطع، إلا لكي يعاد إنتاجها بزفرات أشد حرارة ودموع أكثر غزارة .
إن المرء ليعجب كيف انتهت سلسلة من الثورات والانقلابات ذات الشعارات السحرية الجاذبة إلى هذا المشهد الذي تطلب أحياناً الاستغاثة بغير العرب لإنقاذ عرب من عرب آخرين، فالقاتل الآن عربي وكذلك المقتول، كأن أطروحة الصراع التاريخي بين العرب وأعدائهم الجذريين قد استبدلت رغماً عنهم بأطروحة مضادة، يصبح فيها ذوو القربى أشد مضاضة بعد قرون طويلة من شكوى لبيد الجاهلي من ذويه .
ولن نتورط بالطبع بما انتهى إليه المستشرقون الذين قال بعضهم إن الخلل في عقلنا العربي بنيوي وجذري، لأننا بشر شأن كل عباد الله، وثمة من كانوا أسوأ حالاً منا، لكنهم رَدَموا الهوة السحيقة بين ما هو مفروض عليهم وبين ما يحلمون به .
خلاصة الأمر إن كان لمثل هذه الشجون خلاصة هي أن تكرار اللدغ من الجحور ذاتها سببه عدم التّلقح بالوعي ضد التجهيل، وعدم استقراء التاريخ إضافة إلى الهاجع بين سطوره، فالعالم يتغير وكذلك أساليب الحياة وتقنياتها، لكن ما يبقى هو المحركات النفسية والمعرفية لأنماط سلوكنا، فالحرب هي الحرب من حيث نوايا العدوان وثنائية النصر والهزيمة، لكن ما تبدل هو الأسلحة والأعداد المروّعة لضحاياها لأنها أصبحت ذات قدرة إبادية .
حتى الصراعات البينية تحولت إلى طبعات متلاحقة بأغلفة ملونة لداحس والغبراء وما قاله الجابري والأنصاري على اختلاف المنهج والرؤى يبقى ماثلاً أمامنا، لكنه بحاجة إلى قراءات غير سياحية .