شعر وأمومة
يوسف أبو لوز
* دار الخليـج
ربما ليس من قبيل المصادفة أن يلتقي عيد الأم وعيد الشعر في يومه العالمي في وقت واحد من آذار/ مارس شهر الربيع أيضاً، فالشعر بوصفه فناً ذا صلة مباشرة ببوح الإنسان وعواطفه العميقة ينطوي على نوع من الأمومة، لا بل هناك من يجتهد أكثر من ذلك ويرى أن الشعر أنوثة، فيما النثر فيه شيء من الذكورية، وذلك ربما لأن الشعر يقوم على الموسيقا الخارجية والداخلية في اللغة التي هي الأخرى تحيل إلى التأنيث، أما عندما تكتب الشعر امرأة، فإنها تطابق بين ذاتها كأنثى وبين اللغة بوصفها فضاء مفتوحاً للتأنيث عندما تستوعب القصيدة العالم كله، وتكثفه إلى موسيقا وإلى إيقاع .
أما “المرأة - الأم” فهي ذاتها العالم كله، وما من شعور عميق وبالغ الدفء عند الإنسان مثل شعور الأمومة، وحتى المرأة التي تُحرم من هذا الشعور تظل تحتفظ به تجاه الأشياء والكائنات الحميمة حولها، فإذا قيل إن المرأة هي مركز الكون، فقد لا يحمل هذا القول أية مبالغة إذا عرفنا أين مكان الحنان في المرأة، هل هو في قلبها أم في عينيها، فمن هذا المكان تستطيع المرأة أن تغرق الكون بدموعها إذا بكت من أجل طفلها، وتستطيع أن تزرع الأرض كلها بالياسمين إذا ضحك قلبها، هذا الصغير الذي بحجم قبضة اليد، ولكنه يتسع لغابة من الحنان .
الأم هي الظل الأخضر الذي يرتفع دائماً وأبداً فوق رأس هذه البشرية التي هي سلالتها الأبدية، والأم هي رمز العطاء الدائم والأسطوري . فما من طفل في هذه الأرض إلا ويأكل أول ما يأكل من جسد أمه الحيّ، وما من إنسان إلا ويصرح تلك الصرخة العفوية العميقة عندما يغادر الرحم الأمومي الذي هو وطنه الأول ودنياه الأولى، وكأن الكائن البشري يعلم حتى وهو جنين أنه لن يعود أبداً إلى ذلك الوطن البشري الذي هو جسد المرأة إذا خرج منه إلى الحياة، حتى لو كانت حياة الأرض التي هي أوسع وأرحب من حياة الرحم الضيقة والمغلقة .
لذلك يقارب الشعراء بين “الأرض - الأم”، أو، “الوطن - الأم” وبين “المرأة - الأم”، ومن أكثر هذه المقاربات تظهيراً تلك الصورة التي تعتبر الخروج من الوطن الأرضي نفياً أو منفى سواءً أكان قسرياً أم إرادياً، وهي صورة قريبة من خروج الجنين أو الطفل من رحم أمه ونفيه إلى العالم الكبير والغامض، فلا أحد يعرف عندما يولد هل سيضيع في هذا العالم، أم سيكون سعيداً أم بائساً، غنياً أم فقيراً، أي أن الإنسان عندما يخرج من رحم أمه هو أمام المجهول، وربما لهذا السبب يبدأ حياته بالصراخ .