|
|
المظلة الزرقاء
قصـة قصيــرة
سوزان خواتمي
لضجيج الإفراج غفرانها.. صخبٌ مختلطٌ.. ضحكٌ عال.. موسيقا الأعياد الاحتفالية.. أغني والقلب ينتعل حذاء الرقص..
الإضاءة الغامرة عكست سعادة الوجوه..وحفاوة المناسبة العامرة بلطفها حملت البالونات نحو الأعلى.. كانت تشتهي لو ارتفعت أكثر مثل غيمة حرة لكنها ظلت أسيرة سقف البيت.. بعدد سنوات العمر شموع مشتعلة، وأنا أنفخ بكل ما في رئتي من هواء.. يطير ذيل فستاني..
يومئذ كان عيد ميلادي.. تسعة عشر عاماً والبقية تأتي..
ـ "عقبال المئة".
سحب يده من وراء ظهره، وناولني مظلة زرقاء..
ـ "لكن نيسان يتفتح .. ألا تشم زهر العسل يا أبي؟"
كان أبي يشبه أبا الهول، نادراً ما يتكلم، أو يغضب، أو يجادل.. لكنه يمتلك صدر حنان، يتسع برحابة لمساوئي الصغيرة وشقاوتي التي لا تضر.
خذلتني مظلته والمفاجأة، أيقنت بأن الآباء خلقوا خصيصاً كي يخيبوا رجاءات أبنائهم، تمنيت لو أهداني مجموعة أحمر شفاه أبادلها القبلات.
نظرةٌ حاسمةٌ من عينيه غامقتي الزرقة أنهت نقاشاً لم يبدأ.. بسرعة الفرح الخاطف المسروق من لحظة هرعت إليه، أخفيت في حضنه ملامح خيبتي، سمعت دقات قلبه قريبة، مرغت خدي بلحيته البيضاء، فتركت أثراً مما يفيض الصبا عصياً على الخذلان، نسيت ما كنت أريده وقنعت بما تيسر.. عدت دون ضغينة إلى حفلتي أُغنّي وأرقص بحماسة.
***
الحياة لا تعد بالربيع الدائم.. والمروج الخضراء تدوسها الأقدام العابرة من ضفة إلى أخرى.. نسيت حفلات الميلاد الباذخة وتلك المظلة.
"يا أبي اشتقت إليك"
من بقعة قصية في ذاكرتي تلمع عيناه غامقتا الزرقة، ومظلته الزرقاء تعدني بالأمان.
تواصل الهطل مطراً بعد مطر.. جاء شتاء، بردٌ ينخر العظم، جيوب المعطف لا تكفي الأطراف المتجمدة.
كان الوقت دامسَ العتمة يعدني بالضياع، خضت في برك الوحل، تسللت الرطوبة إلى حذائي.. جواربي.. صعوداً حتى الرئتين.. سعلت.
أصابني طقس الحياة الرديء، وأقعدني المرض مهدودةً بشراسة الوجه وأنينه أهلوس بالكلام وأناديه.. تنبأ الأطباء بأنها الحمى.
مرمية فوق الفراش بكامل ملابسي، منذ لم يعد النوم أماناً، استغنيت عن منامتي المريحة، ولم يخطر ببالي يوماً أن ارتداء "البيجاما" ترف المطمئنين، فالمتعبون يسقطون في هوة النوم دون مقدمات، والمؤرقون يستجدون غفوتهم قطافاً بين لحظة هاربة وأخرى، وأنا وابني وبيننا منبه أخرق أتابع عقربيه، أذكره بمواعيد الدواء المزعجة، ليرن لو نمنا.
"التزمي الدقة في مواعيد الدواء يا سيدتي، ثم الأمر لله".
نهرا دمع يحفران ملحهما فوق الخدين.. امتلأت سلة القمامة بالمناديل المبللة والشهقات والانكسارات.
"ليس في اليد حيلة".
حاصرتني واخترقت كل الموانع.. ما دام الغرق يهددني، أين القشة؟
يرن المنبه.. لا أسمعه، صملاخ الأذنين كشمع الصمم، كموت مؤجل يتربص بفلزة كبدي، وينساني..
يهزني قليلاً، ويمسح دمعة متكلسة، تلمع عيناه غامقتا الزرقة، بنظرة كرحمة المسيح، يقول لي:
ـ "يا ابنتي.. أهديه مظلتك الزرقاء"
ـ "لهجتك تضحكني أيها العجوز.. كيف تُفيده مظلتي الزرقاء؟..
يااااااااااه.. يا أبي.. كل الجهود هباء، والوقت بصالح الأسوأ.. انتفخ الملف الطبي بما لا يفيد: صور الأشعة بخيالات دخانية.. أرقام التحاليل المربكة بالأحمر والأسود.. وصفات دوائية بخط أطباء يخربشون تشخيصاتهم يحضرونني لكل الاحتمالات.. ولا شيء يجفف عرقه، أو يخفف شحوبه، أو يزيل بقع النمش عن جلده..
يا أبي.. أتطّلع إليه جيداً. إنه يرقد مثل كيس عظام.. يخبئ صلع رأسه بقبعة مضحكة.. يقذف كل ما في معدته. هل سمعت صرخاته بين الوجع والوجع؟..
وحش يأكله ولا يرحم، والمورفين يخمده دفعة واحدة في زاوية الفراش، ينام ما تبقى منه فوق شراشف السرير المبقعة..
مظلة زرقاء يا أبي! ما الذي تفيده مظلة زرقاء؟!
ليس فصلاً شتوياً يا أبي. إن ابني مريض بلوكيميا الدم.
أخذتني سماء عينيه تلمعان بالإصرار، تماماً كما المرة السابقة، ولا مفرَ من طاعته.
تداركني صمته، وهيئة يقينه، خانني لساني، وتصمغ ببقية الكلام، تحشرجت الصرخة المكبوتة مع البكاء.
خرج الزمن من مواعيده المؤجلة، والتوى عنا عقرباه.
صغيري ابن العاشرة ينسى حضني، وينسى كرته، وبوابة مدرسته، يركض إلى حضن جده ليمسك يده.
أسرب له ابتسامتي، فيلتقطها بين أسنانه، أعطيه المظلة الزرقاء، أطبق أصابعه الواهنة على مقبضها المفضض.. أضغط برقة. فيتشبث بها.
يرتفع رويداً.. رويداً..
مخلفاً وراءه رائحة عرق، وعلب أدوية، وفتات قلب..