|
|
رجل الخريف
حارب الظاهري
* الاتحــاد
مثلما رجل الثلج يميل الى الشتاء مقيدا بحكايات الثلوج، مطليا بالذوبان يترقب الأرصاد الجوية، ينم حضوره عن هدوء نسبي، ليحفه البياض وتسديه أيادي الأطفال بالعبث المطلق، فتحيله إلى كرة الثلج في لحظة من جنون اللهو الجميل، فيصبح ضوءا خافتا يسري ليكسر سناء الجمود وحواجز الصمت، فنرى فيه سمات مطبقة تميز الشتاء عن سائر الفصول..
أما رجل الخريف فمن سماته إنه ليس كرجل الثلج رونقا وخيالا وبهاء. إنه الخريف ينتعل بقايا السنوات الثقيلة، لرجل جذع حياته من خواء، يشعر بما يتربص به أو يترقبه عبر منافذ عينيه الزجاجيتين الثقيلتين، ومسبحة مطلية بلون أخضر لزوم التمويه.. وحضوره يعمل على تظليل الحقائق، يبث الخداع أينما وجد، ويصنّف البشر على هواه وبمقاييس ابتدعها طيلة سنوات، أو عبر حالة نفسية تمكث في غير مكانها الزمني.. مشتت النوايا غير مكترث إلا بالعيوب، موغل بالثقوب.
رجل الخريف يرى شروق العمر بعيدا، ولا يستكين بالعفوية باعتبارها لغة الوجود المغايرة والمذهلة.. قناديله مطفئه وسوداوية، بشعة يحيلها الأمد الى ساعات الغروب، مهارته مدججة بالشك، لا يعرف اليقين إلا بعد فحص ممل، غريزته مدمية وغير مجدية بالحياة وذات طعم المختلف، حكاياته قديمة مريرة يستلهمها من أجل أن يثقل بها الحضور.. في عزلته يجدف فلا يجد من يروض أفكاره او يستسقيها من جديد، يفقد رونق الإثارة من منظومة الأحاديث، ويبتكر حكايات ضالعة في الشحوب، يدرك ألا أحد يمثل أمامه إلا ليعتني بالصورة جيدا، يرسم روافدها مثل نواة لسلف غريب، وصورة قاتمة تسمى رجل الخريف، ذو نوادر مشبعة بالحيل، حكاياته تنتشر في المدار وتتردد على ألسنة المحيطين، يتمتمون عنه كثيرا في خصر النهار.
رجل الخريف يرتدي ما لا يليق من ألوان، ملابسه مهترئة، جواربه صفراء نتنة، حذاؤه بلا ملمح، ينتعل غبارا ويفترش الرواق المبلط، يخبئ شطيرة الخبز في جيبه ويسير دائما ملهما بالحسرة، تسري في أوصاله نزعة من الكبر، فلا يألف الأشياء من حوله، ولا يعبأ بالأمكنة، ولا الجمال لديه مستساغ، مثله الحياة فرط خواء، يسدل عليها أوصاف اعوجاج، يؤثر النجاح والتميز على نفسه ومن غيره يقول هذا الدعاء، تكتنفه ريبة من حوله، يروضهم ويخضعهم تحت طوعه، فلا يدع إيقاع الإبداع ان يسري في أوصالهم، يستهزئ بهم ليدرك أفكارهم، يتوجس دائما مراده العطف والسكينة، ليلج بالضحك، يبعثر قهقهاته على بلاط الممرات.
رجل الكهف كان أم رجل الخريف كلاهما مرادفان للذوبان، وكلاهما يرحلان بأعجوبة نحو البحث عن إطار يفضي بالكتابة القصصية، لأنهما شرعا نحو ذلك، شخوص تستلهم صورا من هيمنتها ولا تكف وهي تتشبع بالموقف من ابتداع مساحة للتفاعل فيما بينها والحدث الجاري في مدارها، فتصبح مدخلا للضبابية والغموض وسببا في الإثارة المنتظرة.