صورة وحكاية
كوثر حمزة
* الدستـور الاردنيـة
حارسة البيت
لتل إربد عشب يحيط جدار القلب اخضرارا... »من كان يسمع ذلك الصدى غير المسافر؟«
تسير نحو وتر يناديك في الأعلى ، تسارع الخطى نحو ما ظننته يشبه صمت أمك »وتبكي..« ثم تترك أشياءك الصغيرة ووجهك يكتشف تجاعيد المكان كأنه وجه جدتك التي لم تكن يوما سوى رواية. رواك عبق الرياح ، عطرها العشبي يغسل وجنتيك كأنك لست سوى حجر أو عشبة أو نملة أو نشوة ، »وتبكي لأن المكان إلهي«.
بينك وبينك يفيض جدول حلم ، وتبحث عن ذكرى تستند عليها أو أي وهم يسندك. يناديك باب وتدندن: »وًبْواب.. بْواب: شي غُرب.. شي صحاب: شي مْسَكَّر وناطر تيرجعوا الغيّاب«.
لست أنت من يدندن إنما لحن فيك أشعله السكون. لم تسألك حارسة البيت عن قلبك لأنها تقرأ الغريب من عينيه ، فالتفتْ قليلا حول نفسها بعد أن أيقظها نباح كلب في بيت قريب.. عرار كذلك أيقظه النباح ، فحياني وعاود الغياب.
أفقت وحدك ، يا عرار. وجدناك تقلم الأشجار كما تقلم الكلمات حتى صار للأشجار موسيقى وللريح رقص: »البيت كله قصيدة«. هي ذي الأفعى التي تحرس حلمك ـ كما أوصيتها من دون أن تفعل ـ راحت تبتسم للعارفين للحالمين: للطيور: للمطر ، وحين أفقت على نسيم الربى كان الصباح يقبل رائحة القهوة ، والقهوة تقبل الشفاه قبل الشمس. في إربد ترتاح أصابعك للحروف ، وتصبح المدينة قصيدة شعر ترتلها:
»يا أردنيات إن أوديت مغتربا/ فانسجنها ـ بأبي أنتن ـ أكفاني
وقلن للصحب: واروا بعض أعظمه/ في تل إربد أو في سفح شيحانً«
حين ترسمهن بخيط وجهك والخمر ، تخجل من فيضك الزجاجات ، وترحل نوريات وادي السير في مقلتيك نحو الغدير.. أنت حر ـ يا عرار ـ حين قيدوك بالغربة
فيا حارسة البيت ، عانقي وجهه الغافي في قعر كأس: يا حلوة النظرة ، كم من نظرتك الحالمة أصمت على غرة، حين غبت في ترنيمة التل أيقظك صوت بشع: »لا يشبه جمال المكان« ، »ارحل من هنا ، سوف نغلق الباب«. غادرت المكان ..لكنك لم ترحل.
لتل إربد عشب يحوط جدار القلب اخضرارا ، »من كان يسمع ذلك الصدى غير المسافر؟«: من كان يسمع المسافر؟.