|
|
الثورات بعد الوضع
خيري منصور
* دار الخليــج
عندما تضع الثورة أية ثورة مولودها بعد حمل ومخاض عسير، تعيش شأن الحوامل كلها، أيام حُمّى النفاس، وقد تهددها أخطار جديدة إضافة إلى ما سوف يطرأ عليها من أعباء بدءاً من الإرضاع والرعاية .
إن جدلية التاريخ وسر الأسرار كلها في حراكه الدائم، تتلخّص في مفاهيم انتهت صلاحيتها وأخرى تنشأ وهي مثقلة بالبراعم والممكنات، لكن المستقبل ليس منقطعاً عن الماضي، فهو أحياناً أكثر من مجرد امتداد له، إنه أيضاً إعادة إنتاج لكن مُصححة ومحررة من الشوائب والأخطاء . والعَرَض الجانبي الذي يقترن بالثورات وحركات التغيير في كل الأزمنة والأمكنة، هو حالة الانفعال التي تعقب التغيير، ومنها هواجس تصفية الحسابات مع الماضي .
فالله وحده يعفو عما سلف بفضل اكتماله، أما البشر فإنهم قد يترددون في هذا العفو بسبب نقصانهم، وتلك مسألة أبدية وثيقة الصلة بالسيكولوجية الإنسانية وحالات القبول والرفض والتقدم والتراجع .
نذكر مثلاً أن الراديكاليين الروس طالبوا بتدمير كل ما أنشأه ستالين حتى السكك الحديدية والفنادق وبعض العوالم العمرانية لموسكو، ثم سرعان ما اكتشفوا أن هذه المنجزات تمّت بفضل الناس العاديين وهي حاصل جمع جهودهم، وأنها في النهاية تشبه السلاح الذي تتغير وجهة فوهاته تبعاً للأصبع الذي يضغط على الزناد .
لهذا، طالما استخدم ثوار أو محتلون أسلحة خصومهم ذاتها لكن ضدهم .
ويقال إن أحد الراديكاليين أيضاً من الضباط الأحرار في ثورة يوليو المصرية طلب من عبدالناصر إيقاف أم كلثوم وعبدالوهاب عن الغناء في الإذاعات المصرية لأنهما غنّيا للملك فاروق وفي الحفلات التي كانت تقام من أجله وفي حضرته . لكن عبدالناصر أجاب هؤلاء قائلاً . . إذاً، علينا أيضاً أن نخلع الأهرام من أسسها، وكذلك أبا الهول لأن هذه المعالم كانت موجودة قبل الثالث والعشرين من يوليو 1952 .
بالتأكيد هناك فترة قد تستمر شهوراً أو أعواماً تعقب حركات التغيير، وتكون مجالاً حيوياً لسجالات ومساءلات عما تبقى من الماضي، لكن الناس بعد أن تبدأ حياتهم تميل إلى الاستقرار، يدركون أن هناك من الأشخاص والكفاءات من كان ولاؤهم للدولة وليس لحاكم، وأن الموظفين والاختصاصيين والأكاديميين وحتى المهنيين، لا ذنب لهم لأنهم كانوا يمارسون أعمالهم قبل لحظة التغيير .
إن مرحلة حُمّى النفاس الثورية يجب أن يكون لها مدى، وألا تتحول إلى حياة بديلة، فالثورة ليست مهنة في نهاية المطاف، وكذلك الاضرابات، لأنها لو تحولت من حراك سياسي هادف وذي استراتيجية محددة، تصبح بطالة دائمة يتوقف معها كل شيء عن الحركة .
نعرف أن العرب في خمسينيات وستينيات القرن العشرين كانوا يعيشون حقبة انقلابية بامتياز، وقد شهدت عاصمة واحدة أكثر من عشرة انقلابات في عقدين، ثم هدأ كل شيء، وتحولت العقود الأربعة الماضية إلى حالة من الاستنقاع السياسي والخمول الفكري، وأوشكوا أن يفقدوا عادات التعامل مع التغيير ودينامياته . . وهذا ما يفسر تعثرهم الآن، فهم كمن يتدرب على المشي أو الطيران بأجنحة من زغب، وعليهم أن يقبلوا ثمن التجريب وإمكان ارتكاب الأخطاء قبل الاهتداء إلى الطريق المعبد داخل الغابة أو في فضاء الصحراء .
ولردود الأفعال على الماضي حدود تقريبية يجب ألا تشمل ما أنجزه الناس من أجل مستقبلهم، ولا ندري حتى الآن ما الذنوب التي اقترفتها المتاحف مثلاً كي تكون عرضة للانتقام رغم أنها للأحفاد كلهم . . ولمن حكم من قبل، ومن سوف يحكمون من بعد .