|
|
غولدستون بين الترهيب والتزوير
خيري منصور
* دار الخليـج
في غمرة ما يجري عربياً ووراء الاحتجاب القسري المؤقت للأفق الفلسطيني الذي لم يعد مضاء بالقدر الكافي لرصد ما يحدث على تلك الأرض التي تتعرض للقضم الاستيطاني . كان وراء الكواليس الدولية شيء ما يتم إعداده كي يتحول إلى مفاجأة حملت اسم التوبة، أو الاعتذار من قبل غولدستون، صاحب التقرير الذي أثار في وقت صدوره عواصف من السجال . وكان بالنسبة لتل أبيب وحكومتها بمثابة الصفعة، لأنه افتضح في طبعته البكر جرائم العدوان على غزة .
نتنياهو اعترض على التقرير فور إعلانه لكنه أجل عبارته السوقية وهي إلقاء هذا التقرير في مزبلة التاريخ إلى لحظة التوبة، فما الذي جرى لغزة، والعدوان الذي لا تزال جرائمه والأطلال التي خلفها وللسيد غولدستون نفسه؟
هنا قد ينشط الخيال السياسي لتصور سيناريوهات تم تلفيقها وراء الكواليس كي يغير غولدستون رأيه رغم أن مصدر العدوان لم يغير من وتيرة جرائمه، ويتزامن اعتذار غولدستون أو توبته مع عدوان جديد على القطاع ذهب ضحيته عدد من قادة فلسطينيين بعد أن مزقت أجسادهم الصواريخ في القلب من القطاع .
وهناك مشهدان يستوقفان المرء سواء كان طرفاً أو مراقباً في هذه المسألة، الأول يمثله أشخاص فلسطينيون لم يكونوا متحمسين للتقرير الفاضح لحظة صدوره، لكنهم الآن غاضبون، أو هكذا يبدو عليهم، بعد أن غير صاحب التقرير رأيه، وقد يكون هذا من قبيل الاستدراك المتأخر أو إعادة إنتاج المواقف بأثر رجعي .
والمشهد الثاني هو ما جسده نتنياهو في تعليقاته المنفعلة، بل الثأرية، من غولدستون نفسه رغم أنه غير موقفه . وهنا تأتي عبارة مزبلة التاريخ على لسان نتنياهو كي يذكر ناخبيه وخصومه على السواء بأن توبة غولدستون غير مقبولة . وأن الصهيونية لا تغفر لمن يخطر بباله ذات يوم أن يجازف بالخروج من بيت طاعتها الدولي .
أما لماذا غير غولدستون موقفه؟ فذلك كما قلنا يتيح للخيال مجالاً حيوياً بامتياز لتصور ما جرى وراء الكواليس . وقد تكون هناك جهات أو أطراف لعبت دور البطولة في عودة الشاهد عن شهادته، كي يعود ثانية إلى الزور ويضيف صوته إلى دوي القنابل والانفجارات التي عصفت بغزة وأهلها في واحد من أشد الحملات العسكرية شراسة وعشوائية وثأراً أعمى .
هل المقصود بهذه التوبة غير الخالصة والمشوبة بما لا نعرف من عناصر الإغواء أو الترهيب دفع الفلسطينيين إلى فقدان الرجاء بأي شهود عادلين في أي عدوان مرتقب، وهل كان هذا الاعتذار عن الحق لمصلحة الباطل تمهيداً لتكرار الغزو بعد أن تكاثرت القرائن التي توحي بمثل هذا التكرار؟
الأسئلة عديدة، ولا تتوقف عند حد معين لأن ما حدث بالفعل، وهو عودة غولدستون عن شهادته، يبرئ الجلاد كمرحلة أولى وقد يضع اللوم بل العقاب كله على كاهل الضحايا الذين منهم من قضى ومنهم من يرمم جسده أو جدران بيته أو يقيم في العراء .
قد يكون الاحتلال وما يجسده من شرور على تلك الجغرافيا الرسولية مستفيداً من عودة الشاهد الدولي عن شهادته الموضعية . . لكن المتضرر من ذلك هو غولدستون وليس الضحايا، لأن هؤلاء أضاء دمهم الليل الذي دام شهوراً في القطاع المظلم وكل من سلكوا الطرق بحراً وبراً لإغاثة الأسرى في عقر وطنهم وقطاعهم يشهدون الآن بأن غولدستون هو الخاسر وهو ليس الشاهد الوحيد أو آخر الشهود الأحياء على قبر جماعي حفرته الصهيونية لوطن برمته .