|
|
ضد الإقصاء والظلامية والهويات الضّيقة
أمين معلوف: أبكاني الصراع الطائفي في العراق
بعد أن حاز جائزة غونكور الفرنسية المرموقة عام ،1993 توج أمين معلوف مسيرته بجائزة برنس ديه آستوريس في الآداب أواخر عام ،2010 وهكذا تحيي المؤسسة الإسبانية الراقية كاتباً طالما سبر أغوار الثقافة المتوسطية، التي عرضها في مجمل نتاجه كفضاء رمزي للتعايش والتسامح .
معلوف كاتب معروف بالفرنسية من أصل لبناني، “حكاء” موهوب حيث يسهم نتاجه، القوي والمكثف، في مد الجسور بين الغرب والوطن العربي، بين الماضي والحاضر، بين الواقعي والمتخيل، ويستدعي إمكانية توفر عالم تعددي ومتعدد الثقافات . وللباحث، الخجول واللطيف، هوى كبير للتاريخ، الذي يكتبه بطريقته لكي يستخرج منه ميثات إيجابية .
ولد أمين معلوف في 25 فبراير/ شباط ،1949 في لبنان، وأمضى جزءاً من طفولته في الحي الكوزموبوليتاني في رأس بيروت، الذي ترك في ذاكرته تأثيراً دائماً، اختلاطية ثقافية ودينية صاغت آل معلوف الأثرياء .
منذ البداية، اختار العمل الصحافي، متابعاً أثر والده . وفي عام 1970 عمل في جريدة “النهار”، التي مكنته من معرفة العديد من الصراعات العالمية المهمة . وعلى الرغم من تمكنه من اللغتين الفرنسية والإنجليزية، مارس كتابته بالعربية . ومع عودته من إحدى مهامه المهنية، حيث قام بتغطية سقوط سايجون، انقلبت حياته رأساً على عقب . في 13 إبريل/ نيسان ،1975 انفجرت أولى المجابهات التي أصبحت، بعد ذاك، حرباً أهلية تحت شرفته في الحي البيروتي، وهكذا بدأت أولى نقلات آل معلوف قبل اختيار المنفى .
رفض الانحياز إلى أي حزب أو جبهة، وخلال الصراع، لم يستطع متابعة عمله، ولذا قرر أن يغادر لبنان . وفي 16 يونيو/ حزيران ،1976 استقل باخرة قادته إلى باريس، وانتظر قدوم عائلته . عمل بعض الوقت في مجلة “جون دافريك”، قبل أن ينتهي من كتابه “الحروب الصليبية كما يراها العرب” ،1983 اذ اقترح إعادة قراءة تاريخ هذه الحروب وتفنيد ودحض فكرة “صدام الحضارات” .
وهكذا يتضح، شغفه الكبير بالتاريخ: “يثير اهتمامي ليس التاريخ في حد ذاته، وإنما أصل الأشياء، وبالمثل سببية الأشياء” .
مع روايته “ليون الإفريقي” ،1986 التي ذاق من خلالها طعم النجاح الجماهيري، اكتشف أمين معلوف هوى حياً للكتابة وقرر أن يكرس لها كل وقته . وهذا التحول من الصحافة إلى الابداع الأدبي يتلازم أيضاً مع قرار الكتابة بالفرنسية . توالت عناوين رواياته، حتى صدور كتابه “الهويات القاتلة” 1998 الذي يهاجم انقباضات الهويات رافضاً انغلاق أية هوية، ويقترح، في متنه، ضم كافة الانتماءات واحترامها، ما جعله مرجعاً لا غنى عنه في مسألة الانتماء الثقافي: لدى ليون الإفريقي، وجد صورة كوزموبوليتانية وتعددية تجسد رؤاه المثالية .
وفي عام ،1993 رجع إلى جذوره اللبنانية، مع روايته “صخرة طانيوس” التي حصل عنها على جائزة غونكور المرموقة . رواية استثنائية بامتياز تدور حول موضوعة المنفى .
كرس معلوف حياته في مد الجسور بين ضفتي البحر المتوسط، وهو يحلم بحوار الحضارات التي تحيا منغلقة على نفسها وترفض انفتاح الآخر .
ولذا يمكن تلخيص مسيرته، في كونها مسيرة عابر يبحث بلا انقطاع عن هذا الطريق، طريق المصالحة والحوار، هو ذا أمله: “ضد التمييز، ضد الإقصاء، ضد الظلامية، ضد الهويات الضيقة، ضد حرب الحضارات المزعومة، ضد انحرافات العالم الحديث، ضد الهيمنة الجينية . في صبر، أجتهد في مد الجسور، أناضل ضد الأساطير وضد عادات الفكر الذي يغذي الحقد . إنه مشروع حياتي، الذي يتواصل من كتاب إلى آخر، وسوف يتواصل طالما استطعت أن أكتب” .
وفي هذا الحوار الذي أجرته “أورونيوز” يناقش عدداً من المسائل الملحة، مثل الحوار بين الحضارات، التعددية الثقافية، الأزمة الاقتصادية العالمية، وغيرها .
حزت جائزة البرنس ديه آستوريس للآداب عام 2010 وهي الجائزة الأكثر لمعاناً في إسبانيا . من قبل، نِلتَ عدداً من الجوائز عن نتاجك . بالنسبة لك، هل ترى لجائزة آستوريس معنى خاصاً؟ ماذا تمثل الجائزة لك؟
في الواقع، بالنسبة لي، لهذه الجائزة وقع خاص لأن لدي علاقة قديمة وعميقة مع إسبانيا . أذكر تاريخ روايتي الأولى، “ليون الإفريقي”، التي بدأت أحداثها في الأندلس، والأندلس تحتل مكانة كبرى في تاريخ الإنسانية . إنها نقطة التقاء الثقافات العربية-الإسلامية، الإسبانية، الأوروبية، المسيحية واليهودية . ويخال لي أنه من المهم الكلام اليوم عن هذه المرحلة التاريخية .
تتحدث عن اللقاء وليس عن الصراعات بين الثقافات . .
نعم . على المستوى الشخصي، لا أعتقد بنظرية الصراع بين الثقافات . حتى وإن وجدت هذه الصراعات، من الضروري مجابهتها . إنها ليست قدر العالم، ليست مستقبل العالم، ليست الطبيعة الحقيقية للعلاقات بين الشعوب . هذا الوضع منحرف ويجب أن نتجاوزه . والإنسانية استطاعت تجاوزه في الماضي . وبدورنا في الحاضر، من الممكن أن نصل إلى تحقيقه . لن يستطيع العالم التغلب عليه إلا إذا تعايشت الحضارات والشعوب .
هل تعتقد أن أوروبا، بتشعبها وتعدديتها، قادرة على تحقيق هذه الفكرة؟
يجب أن تعطي أوروبا المثال . لديها القدرة على حل المشكلات . بيد أنني أعتقد، على المستوى الواقعي، أننا لم نسر بعد في هذا الطريق . من الضروري أن نقول للناس، وعلى وجه الخصوص الشباب، إن التعايش شيء يكتسب بالتعلم ويتحقق طوال الحياة .
منذ بداية عملك بالكتابة، نشرت أربعة عشر كتاباً . وفي مجمل نتاجك، نكتشف خيطاً أحمر: روح المصالحة والتسامح . نشعر بأنك تبعث رسالة إلى الناس . أليست مثل رؤية يوتوبية لعالم جديد؟
ربما كانت هذه الرؤية يوتوبية، غير أننا في حاجة ملحة اليوم إلى أي منظور . عالم اليوم تغير على المستوى المادي بقوة . غير أنه تطور على مستوى العقليات . ذات يوم، قال شاعر عربي (لم يذكر اسمه، المترجم)، يرجع إلى القرن السابع: “إذا خلقت الأرض، لكانت كل الأرض أرضي وكل الناس ناسي” . في عصرنا الحالي، من الضروري أن نؤمن بأن الإنسانية والعالم يتقاسمان المصير نفسه .
لكنك تنتقد الغرب بحدة وتقول إنه عتبة اللا أخلاقية في تعامله مع بقية العالم . .
بالضبط . حتى وإن اعتقدت بكون الغرب لم يزل يرتبط، بصورة قوية، ببعض القيم . ولكن منذ بضعة قرون، لا يمارس هذه المبادئ في علاقاته بالآخرين . بقول آخر، لم تمارس بريطانيا العظمى السلوك نفسه في الهند كما مارسته في بريطانيا . لم تكن فرنسا في فرنسا كما كانت في الجزائر ومدغشقر . لم تكن بلجيكا هي نفسها التي كانت في الكونغو . الولايات المتحدة مارست سلوكها داخل حدودها كقوة عظمى وديمقراطية كبيرة، غير أنها لم تمارسه أبداً بالصورة نفسها في أمريكا الجنوبية أو في مناطق أخرى من العالم .
كما في العراق مثلاً؟
كما جرى في كل مكان! الدول التي تمتلك مبادئ كبيرة يجب أن تلتزم باحترامها، ليس فقط داخل حدودها، وإنما أيضاً في علاقاتها مع بقية العالم .
هل بكيت يوم سقط العراق؟
لا . وإنما الذي أبكاني بداية الصراع الطائفي . عانيت كثيراً . وكل ما عرفته عن العراق طيلة هذه السنوات أبكاني، بكل تأكيد، كثيراً .
خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، انتقدت الرأسمالية . بل إنك سميتها الرأسمالية المتوحشة ونسبت إليها أسباب الأزمات جميعها . من الذي يتحدث هنا؟ هل هو أمين معلوف الذي رسم المنجل والمطرقة على كراسته حينما كان شاباً ذا رؤية اشتراكية؟
لا . يعتبر سقوط الأنظمة الشيوعية، حيث تطابق السقوط مع سقوط جدار برلين درساً تاريخياً يجب ألا ننساه . ليس هذا هو الحل . الحل هو الرأسمالية وإنما ليست أية رأسمالية . ليست الرأسمالية التي تنظر إلى الاقتصاد كملهى قمار كبير تلهو قبضات بعض الأفراد بمصائر ملايين آخرين . اليوم، نحن في حاجة إلى اقتصاد ذي حد إنساني . اقتصاد يدافع عن القيم ويحترم الذات الإنسانية .
لنتحدث عن جذورك . أنت لبناني، عربي، فرنسي، أوروبي . أي هذه البطاقات تلائمك أكثر من غيرها؟
سوف أقص عليك حكاية . ذات يوم، سأل أحدهم فلاحة: “أي من أبنائك تحبينه أكثر من غيره؟” . أجابت: “أحب المريض حتى يشفى والغائب حتى يعود” . وهكذا أجيبك . حينما تكون هناك مشكلة في لبنان، أعاني وأشعر بالأحرى بأنني لبناني، ولكن حينما تكون هناك مشكلات في أوروبا، أشعر بالأحرى بكوني لبنانياً .