بسم الله الرحمن الرحيم
( وجوب الحذر من مروجي الفتنة ودعاتها )
كلمة مختصرة لمجتمعنا في دولة الإمارات العربية المتحدة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين .
أما بعد :
فإن المتأمل في التأريخ الإسلامي لواقع المجتمع المسلم ؛ يجد أنه لا يكاد يخلو
في عصر من عصوره من مروجي الفتنة ودعاتها ، الذين يسلكون الطرق الملتوية ، والحيل الماكرة ، فينتهزون الفرص لإثارة الشغب في أوساط المجتمعات الإسلامية ، تارة بدعوى العدالة وتارة بدعوى المطالبة بالحقوق وأخرى بدعوى رد المظالم ..الخ .
ففي عصر النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم خرج من يقف في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعوى العدل ليقول في قسمة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ .
وآخر يقول متهما قسمة رسول الله بالجور والظلم : اتَّق اللهَ يَا مُحمّد فيرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا : مَنْ يُطِع اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ أَيَأْمَنُنِي الله عَلَى أَهْل الْأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي .
وفي رواية يرد عليه فيقول : وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ
ثم يقول عليه الصلاة والسلام في هذا الصنف المفتون :
إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ .
وفي عصر الصحابة رضي الله عنهم خرج من يدعي أنه ينشد العدالة ويريد أن يعيد الأمور إلى نصابها بزعمه ....
فحمل أقوام لواء الكذب والفتنة والتلاعب بالحقائق فروجوا الكذب والإشاعات على الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي تستحي منه الملائكة مع وصف الرسول عليه الصلاة والسلام له بأنه على الحق والهدى والأمانة فاتهموه بالظلم والتلاعب بأموال الدولة والضعف في تسيير أمور الدولة الإسلامية حتى هاج بعض الناس وتأثروا بفتنتهم فكانت النتيجة مقتله على أيدي ضحايا الخداع والإشاعات فقتلوا خليفتهم وألحقوا الضرر بالدولة الإسلامية .
وفي عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج أقوام يزعمون التدين ومحبة الإسلام والانتصار للحق والعدالة وتحكيم شريعة الله ونشر الإصلاح فاغتروا وغرروا وشغبوا هنا وهناك ، فلم يوقروا كبار من بقي من صحابة رسول الله ، ولم يحترموا صهره وابن عمه علي بن أبي طالب بل وصل بهم أن كفروا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستباحوا دماءهم .
وهكذا تتكرر الدعاوى والأفعال من مروجي الفتنة ودعاتها في عصرنا هذا حيث نرى أقواما يزعمون أنهم يريدون الإصلاح ويرددون قول الله :
(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) .
فيزعمون أنهم يريدون تحقيق العدالة ، ورد الحقوق إلى أهلها ، والدفاع عن المظلومين حتى خرج أقوام من جلدتنا ومجتمعنا فرفعوا لواء الفتنة في شبكات الانترنت والمنتديات ، والندوات واللقاءات ، والرسائل النصية عبر الهواتف ونحوها منتهزين فرصة اضطراب بعض المجتمعات الإسلامية وتأييد أعداء الإسلام والمسلمين فركبوا موجة فتنة العصر وأصبحوا
يكتبون ويحاضرون ، ويحرصون على إقناع الشباب والشابات بأنهم مظلومون وأن حقوقهم مسلوبة .
فتارة يقولون ولاة الأمر يتلاعبون بالأموال ...
وتارة يزعمون أن السلطة ليست بيد ولاة الأمر وإنما بيد غيرهم ...
وتارة يقولون سلبت حرياتنا وانتهكت كرامتنا وأخذت حقوقنا ..
بل منهم من حمل على عاتقه التواصل مع المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس وغيرها ليغذيها بالأكاذيب والأغاليط عن البلد ليزيد الطين بله
وكأنه من جلدتهم و ليس من جلدتنا ولا من هذه البلد ..
أف لهم ولأفعالهم المضطربة وتصرفاتهم المقيتة ..
هل نسوا وتناسوا أننا نعيش في نعمة من الأمن والأمان في ديننا وأنفسنا والخير والرغد والرخاء في عيشنا حتى أصبح محل ضرب المثل ؟!
والله يقول (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) ) سورة قريش
وهل نسوا وتناسوا ما عليه مجتمعنا من تلاحم وترابط في عشائرنا وقبائلنا وبدونا وحضرنا مع ولاة أمرنا وحكامنا ؟!
وهل نسوا وتناسوا ما عليه ولاة أمرنا من حكمة وعقل و خلق كريم وحب عميق لشعبهم حتى إنهم ليشهدون أفراحنا وأحزاننا ؟ !
ألا يتأملون في بعض الدول الأخرى كيف ابتلوا بالفقر والجوع ؟
ألا ينظرون إلى دول ارتفع عنهم الأمن والأمان وحل الخوف والدمار ؟
ألا يبصرون في حال أقوام على شاكلتهم سلكوا دربهم وروجوا فتنهم
طمعا في الحرية المزعومة فضاع أمنهم وسلبت أموالهم بل وأموال دولهم ؟
فلا هم طالوا حريتهم ولا هم حفظوا دولتهم ؟
لكنها الفتنة المشؤومة التي تعمي وتصم .
لذا نقول لهم :
اتقوا الله في مجتمعنا وبلدنا وولاة أمرنا ...
اتقوا الله في أمننا وأماننا ورغدنا ورخائنا ...
اتقوا الله في صغيرنا وكبيرنا ، وشبابنا وشابتنا ، وأبنائنا وبناتنا ...
احذروا مغبة مخالفة شريعة الإسلام باسم الإسلام فالله يقول : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) سورة النور .
وكم حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من الفتن وشرورها ، التي تفتك بالمجتمع المسلم ..
وإني لأذكركم لله يا قوم :
بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له حذيفة رضي الله عنه : قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ . رواه مسلم
وأذكركم يا قوم :
بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ : عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ . رواه مسلم
وأذكركم يا قوم :
بحديث أبي بكرة رضي الله عنه حيث قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أكرم سلطان الله تبارك و تعالى في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة ، و من أهان سلطان الله تبارك و تعالى في الدنيا أهانه الله يوم القيامة " . أخرجه أحمد
وأذكركم يا قوم :
بقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً رواه مسلم .
وأذكركم يا قوم :
بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث ابن عباس :
مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً رواه البخاري
أذكركم بذلك لعلكم تتذكرون ، وبحديثه عليه الصلاة والسلام تتعظون ،
ومن سكرات هذه الفتن تفيقون ، ولمخاطرها تعقلون وتدركون ، ولطريق
المفتونين المشبوهين تحذرون وتحذّرون( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)سورة غافر .
وختاما :
أقول لمجتمعنا وأهلينا وأرحامنا وقبائلنا وعشائرنا، لشبابنا وشاباتنا ، لمثقفينا ومثقفاتنا ..
حذار حذار من هؤلاء المفتونين ...
حذار حذار من شُبههم وتغريرهم ...
فإنهم إما أن يكونوا مخدوعين بوعود أعداء أهل الإسلام ..
وإما أن يكون طمع الوصول إلى السلطة قد سيطر عليهم ...
وإما أن يكون الهوى قد ركب رؤوسهم ، فزين لهم سوء عملهم ..
فعليكم بمجانبة طريقهم ، والإعراض عن غيهم وشبههم وفتنهم حرصا على دينكم وأنفسكم .
عليكم بالمحافظة على بلدكم وأمنكم واستقراركم ، والنعم التي أغدقها الله عليكم بطاعة ربكم واتباع سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم .
عليكم بمؤازرة ولاة أمركم وحكامكم في السراء والضراء محتسبين الأجر من ربكم .
تبرؤا من هؤلاء المفتونين فإن نهاية طريقهم الهاوية ، وإذا سمعتموهم يقولون قيل وقال فقولوا : نحن على السمع والطاعة لولاة أمرنا في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا كما أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام .
حفظ الله مجتمعنا وبلدنا وولاة أمرنا من كل سوء ومكروه ومن كل غدر ومكر وخيانة ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
بقلم : فضيلة الشيخ / أحمد محمد الشحي
رأس الخيمة – الرمس