الزمن لا يُقطع مرتين

خيـري منصـور

* دار الخليـج






كان الماضي ذات يوم مستقبلاً لما سبقه، كما أن المستقبل الذي نتحدث عنه الآن سيصبح ماضياً، وهذا ما عبر عنه بدقة هيراقليطس عندما قال إن النهر لا يُقطع مرتين، وهو نهر الزمن بمعنى ما، رغم أن الأنهار العادية أيضاً لا تُقطع مرتين بسبب جريان الماء .

لهذا فإن المقاربات الأكثر تداولاً للتاريخ من خلال الإعلام ذي البعد الواحد تظلم الاثنين معاً، الماضي والمستقبل، أما الحاضر فهو مجرد مساحة مطاطية بينهما .

وحين نقرأ اليوم عن ثورات كبرى منها ما شطر التاريخ إلى ما قبلها وما بعدها نجد أن مرور الزمن حولها إلى كلاسيكيات وجدت من يثور عليها وهذا ما يضعنا أمام منهج آخر لمصطلح الثورة الدائمة أو المستمرة وفقاً للأدبيات الماركسية، فإذا كان التغير هو من صميم الحراك في عالمنا سواء في التاريخ أو الطبيعة، فإن الثابت الوحيد كما يقال هو هذا التغير، والذي من دونه تستنقع الحياة، وتحل النمطية والاتباعية مكان الإبداع والاجتهاد، وما كان جديداً وصادماً في حداثته للذائقة العامة قبل قرن من الزمن هو الآن من فلول الماضي، لهذا تبدو الكتب الممنوعة التي أثارت عواصف من السجال والاستنكار في الربع الأول من القرن الماضي ككتب طه حسين وعلي عبدالرازق وآخرين عادية جداً بالمقارنة مع كتب قُدم مؤلفوها للمحاكم أو تم تكفيرهم كما حدث لصادق جلال العظم ونصر أبو زيد وغيرهما .

وإذا توفر لنا وعي بانورامي وشامل للتاريخ فإن هذا التشطير بين الماضي والمستقبل والحاضر يصبح مجرد ضرورات إجرائية، لأن المستقبل مثلاً كما يعرف علمياً الآن وبعيداً عن قراءة الطوالع والفناجين هو حاصل جمع ممكنات الراهن تماماً كما أن عناقيد الشجر في الموسم المقبل هي هذه البراعم الصغيرة على الأغصان .

هل نقول بعد هذا إنه من ثورة أخيرة أو ثائر أخير؟ وإن من يحاول احتكار التغيير بوضعه الكائن الذي اجترح معجزة ولن يتكرر هو فريسة الأوهام؟

لقد كانت للثورات في التاريخ أعراضها الجانبية التي تجاوزت في بعض الأحيان الداء ذاته . لهذا منها ما أكلت أبناءها ومنها ما تمدد ليأكل الأحفاد وما كُتب عن الثورة الفرنسية بعد مقتل شارلوت كورديه والعالم الفيزيائي لافوازيه الذي ألقي رأسه المقطوع في سلة قمامة يصلح لكل أوان، وما حاوله الروس المتضررون من الحقبة الستالينية وهو اقتلاع السكك الحديدية وكل المنجزات الصناعية في زمن ستالين هو نموذج قابل للتكرار لحالات رد الفعل المتطرف وهذا ما حدث أيضاً على مستويات ثورية اجتماعية منها ثورة المرأة، قثمة نساء تطرفن في أدلجة الأنوثة لإقصاء الذكور وبشرن بحروب من طراز تلك التي خاضتها النساء الأمازونيات في الماضي عندما كن يبترن أثداءهن كي لا تعوقهن عن استخدام القوس وإطلاق السهام، وفي الفترة التي ظهرت فيها الرائدة هدى شعراوي في مصر، ظهرت سيدة أخرى طالبت بحذف نون النسوة من النحو العربي وكذلك تاء التأنيث وواو الجماعة .

وهو ما تطور في ما بعد إلى ما يسمى “الفيمينست” وذلك مقابل حركات نسوية أقل تطرفاً تنظر إلى الذكر والأنثى كتوأمين بشريين لهما الحقوق والواجبات نفسها .

حتى في العلم، كانت ردود الأفعال على الثورات الكوبرنيكية نسبة إلى عالم الفلك كوبرنيكس الذي قال بكروية الأرض ودورانها حول الشمس، لا تقل انعفالاً عن مثيلاتها في السياسة والجنس . ويقال إن الشاعر الروماني كيتسي كسر كأساً كانت بيده عندما سمع أحدهم يحلل قوس قزح علمياً ويعيده إلى عناصره . تماماً كما سخر البعض من الوصف العلمي الدقيق للقمر بعد أن فضح العلم أسراره، فلم يعد ذلك القمر الرومانسي في القصائد أو رفيق العشاق في ليلهم الطويل .

الزمن نهر لا يُقطع مرتين لهذا فإن لكل ثائر من يثور عليه .