الحرية في شعر مظفر النواب

* الدستـور الاردنيـة







لن نجد شاعراً مجد الحرية كما فعل مظفر النواب، فلقد ارتقى بها إلى مرتبة المطلق، ويمكن القول إن نتاج مظفر الشعري ما هو إلا تنويعات على مقولة الحرية؛ إنها القضية المركزية التي عاش مظفر من أجلها، ومنحها روحه وعقله، وغذاها من شريان إبداعه.

استقى مظفر النواب مفهومه للحرية من المذاهب الفلسفية الكبرى، وأهمها ـ بالطبع ـ المذهب الوجودي، كما سيتضح في السياق، ويقدم مظفر رؤية فلسفية واضحة المعالم، لمفهوم الحرية، تدل على عمق واتساع إطلاع الشاعر، واهتمامه بهذه المسألة، ويؤسس لمقولة الحرية من الجانبين: المعرفي، والوجودي، في تمازج مبدع لن نجد له مثيلاً في المذاهب التي تمشكلت مع هذه القضية الشائكة.

يقول:

«أنت الصفرُ إذا شئتَ

وأنت الرقم اللامتناهي»


هنا يقترب مفهوم مظفر للحرية من المفهوم الوجودي بأن الإنسان يتحدد حاضره ومستقبله بما يفعله هو بنفسه، أي إن ماهية الإنسان ليست معطى قبلياً، بل إن الإنسان هو الذي يحدد ماهيته، من خلال ما يقوم به من أفعال، فبإمكان الإنسان أن يكون صفراً، عندما يفقد إرادته، ويفقد ـ بالتالي ـ القدرة على الفعل الحر، وبإمكانه أن يكون رقماً لا نهائياً إذا ما امتلك الإرادة والقدرة على الفعل الحر.

ولكن إرادة الإنسان الحرة، وقدرته على الاختيار، كانت ـ على الدوام ـ مصدر نقد مرير، من قبل أصحاب التفكير الفلسفي العقلي؛ لأن الحرية تعني ـ مما تعنيه ـ القدرة على الفعل، وكذلك القدرة على النبذ والترك، حتى تتحقق مسألة الاختيار. ونحن نلاحظ أن الكون ـ بأنشطته كافة، أو ما يعرف بعالم الظواهر ـ هو نظام جبري صارم لا متنفس للحرية فيه، مطلقاً؛ فكل ظاهرة تحدث لا بد لها من سبب لإحداثها، وتحدث وفق قوانين طبيعية صارمة منذ الأزل وإلى الأبد. فهل من الممكن أن يكون هناك حرية داخل الزمان الذي يدل على الوجود؟ لقد كان عمانوئيل كانط واضحاً كل الوضوح: لقد أنكر وجود الحرية في عالم الظواهر، أو داخل الزمان. وقال إن هذا العالم يمتاز بالجبرية المطلقة، وإذا أردنا أن نتلمّس الحرية، فلا بد لنا من الخروج من عالم الظواهر أو ـ بمعنى آخر ـ الخروج خارج الزمان. يقول مظفّر:

«وحمحمَ، في الزمن الملغيِّ،

حصانٌ أبيضُ،

عسليُّ الذيلِ؛

يسلط عينيهِ، عليَّ، فيغسلني،

فأرجع طفلاً،

ويصير نزولي ـ إذ ذاكَ ـ

صعوداً، في ذاتي».


من الواضح أن مظفر يدرك استحالة وجود الحرية، داخل الزمان، فيدعو إلى الدخول في الزمن الملغي، أي خارج الزمان، وهنا يتطابق مفهوم مظفر وكانط، ما يشي بإطلاع مظفر المباشر على رؤية كانط، والحقيقة أن وجود الحرية خارج الزمان فكرة لم تلق قبولاً، من الوجوديين، وصرحوا أن هذه الحرية لا وجود لها، ولا يمكن أن يفهموها، وهذا ـ بالطبع ـ متأت من الجذور الفينومينولوجية (الظاهراتية) للفلسفة الوجودية، فلقد شيد هيدجر الفلسفة الوجودية استناداً إلى فلسفة هوسرل (الظاهراتية)؛ فمن الطبيعي آن ينكروا وجود أي شيء خارج الزمان.

إن مفهوم الحرية الوجودية يفهم ويدرك، وهو في حالة ممارسة داخل الزمان، أي من خلال الأفعال، والوجودية بشقيها: الإلحادي، والإيماني، تؤمن إيماناً مطلقاً بمقولة الحرية، ويجعل الوجوديون منها قضيتهم المركزية.

إن الأساس الفكري، الذي تستند إليه الوجودية المؤمنة، هو إسقاط هذه الحرية على فكرة الله؛ فالحرية الإنسانية مستمدة من الحرية المطلقة للألوهية، وكما يصرح الوجودي المؤمن، كارل يسبرز، أن الله لا يمكن أن يكون موضوعاً لأي معرفة حسية أو عقلية، ولكننا نستطيع أن نستدل على وجود الإله من خلال الحرية التي نحس بها في أعماقنا، والتي يصل إحساسنا بها حد اليقين، ومن المؤكد أن الإنسان ـ بوصفه كائناً بيولوجياً يعيش في عالم الظواهر ـ ليس مصدر هذه الحرية، بالتأكيد.

وهنا نلاحظ ربطاً موفقاً بين الألوهية والحرية، حيث سيتضح أنهما مفهومان متشابهان يحيل كل منهما على الأخر، لنرى كيف يعبر مظفر النواب، عن هذه المسألة، شعراً:

«أخذتني الغيبوبة شوطاً جدلياً،

وتمازج وحي الألوان ووحي الأجراسِ،

وأوشكتُ أراكَ،

فأنت إلهي.

أفيرتجُّ عليكم هذا المعنى؟

فهنالك نهرٌ فاغتسلوا».


نرى ـ هنا ـ أن مظفر ينتقل من مفهوم الحرية، بمظهرها الوجودي العيني، إلى عالم العقل، وهو عالم يعلو على الظواهر وعالم الحواس. ويمتاز عالم العقل بالحرية المطلقة؛ فهو خارج الزمان والمكان، وخارج نطاق السببية، وهو ما نطلق عليه عالم الإمكان، حيث توجد فيه الإمكانات كافة، التي تنتظر أن تتحول إلى موجودات حقيقية، عن طريق الفعل، فعالم الإمكان لا تحده حدود لأنه خارج عالم الظواهر وجبريته الطاغية.

ويعبر مظفر عن هذا العالم بأنه عالم تتمازج فيه الأحاسيس الحسية، ويختلط فيه السمع والبصر، حيث يستطيع الإنسان أن يسمع اللون ويرى الصوت، وهذا ليس ضرباً من الخيال، فإن البعض ممن خبر التجربة الصوفية ـ حيث يتعالى الإنسان على الحواس ـ كانوا، دائماً، يصفون تجارب مشابهة تختلط فيها الحواس، وذهب البعض إلى أن بإمكانهم تذوق اللون. إن التدرج في عالم الحرية يوصلنا، بالتأكيد، إلى الاتحاد بالألوهية، وهو ـ كما يصرح مظفر ـ «وأوشكت أراك فأنت إلهي».

فإذا كانت الألوهية تعني ـ مما تعنيه ـ تحويل عالم الإمكان (الماهية) إلى وجود حقيقي، بالنظر إلى وجود الحرية المطلقة والقدرة المطلقة؛ إذ لا يعقل أن يكون هناك أية عراقيل، أو معوقات، لدى الإله، فعلم الله في الشيء هو عين إيجاده وإبداعه، فإن الحرية تعني، أيضاً، تحويل الإمكانات الموجودة ـ في العقل ـ إلى أشياء حقيقية عن طريق الفعل. فنحن نكون أحراراً بالقدر الذي نستطيع أن نحقق إمكاناتنا، ونفقد حريتنا عندما نفقد القدرة على الفعل؛ عندما نفقد الأدوات، ونبقى نراوح في عالم الإمكان. لقد كان مظفر موفقاً في الربط بين الألوهية والحرية، ولا يخفى التشابه ـ في المفهومين ـ بين مظفر وكارل يسبرز. ولكن الوجودية الإلحادية وجدت نفسها في مأزق كبير. فهي ـ في الوقت الذي تؤمن فيه إيماناً مطلقاً بمقولة الحرية ـ لا تستطيع أن تجد أي سند لهذه المقولة داخل الإنسان، ولقد لجأ منظروا الوجودية إلى إسقاط مفهوم الألوهية على الإنسان، واضطروا، في النهاية، إلى تأليه الإنسان حلاً لهذا الإشكال. ونرى في كتابات الوجوديين الكثير من هذه الإشارات، ونرى كولن ولسون يطلق على الإنسان تسميه ’نصف الإله‘ (SEMIGOD).

نستطيع أن نرى أن مظفر له رؤية وجودية لمفهوم الحرية متماسكة، من الناحية المعرفية؛ ففي حين نجد أن هناك عيباً خطيراً في الرؤية الوجودية، التي لم تستطع أن تجد مرتكزاً معرفياً لمقولة الحرية، وكذلك نجد عيباً في الرؤية الكانظية، والذي حصر الحرية في عالم خارج الزمان، أو ـ كما أسماه ـ «عالم الشيء في ذاته»، ما أفقده بعده الأنطولوجي، نلاحظ أن مظفر قد أسس لهذين الركنين: المعرفي، والأنطولوجي، لمقولة الحرية، في مكان لا يمكن أن يجتمعا خارجه، وهو الإنسان، فالحرية لا وجود لها إلا في الإنسان، وعندما نبدأ بالبحث عنها، موضوعياً، خارج الإنسان، فإننا لن نظفر بها لأننا نبحث عنها في المكان الخطأ.

يقول مظفر:

«وإن كنتُ رأيتُ وراء السرِّ،

فان العودة للإنسان،

وحمل السيف، مع الفقراءِ،

هو الله جميعا».


هكذا يصبح عقل الإنسان، بما يمتلك من قدرة وتحرر من عالم الظواهر المادي، مؤهلاً لحمل مشروع الحرية، والانعتاق من الضرورات والحتميات والجبريات. إن العقل الإنساني، وبما يمتلكه من قدرة على التجريد والانعتاق من الحس، هو العرش الذي تتربع عليه الحرية.

ولقد كان مفهوماً، طوال عمر الحداثة، أن مفهوم الإنسان لا يفترق كثيراً عن مفهوم الإله، فالإنسان الذي أوجدته اللحظة الديكارتية تبين، لاحقاً، أنه يحمل كل الإرث الإلهي. كل ما في الأمر أن الإله المفارق تحول إلى لامتناه محايث، في فكر الحداثة، ولقد تنبه الفكر المابعد حداثي إلى هذه المسالة وحذر أن الإله الذي أعلن نيتشه موته قد بعث، ووجد له معقلاً جديداً في مفهوم الإنسان، ولذا أطلق المابعد حداثيين مقولتهم المركزية حول موت الإنسان، كما شاهدنا في فلسفة ميشيل فوكو، بوصف ذلك ممارسة حثيثة لمطاردة إله نيتشه في آخر معاقله.