لا تعلموني لجم الغضب ..

موسى حوامدة

* الدستـور الاردنيـة







كانت تونس هي الشرارة التي أطلقت المارد العربي من قمقمه، وأنارت عتمة العرب ولياليهم المدلهمة، فقد وصل الإنسان العربي إلى وضع سياسي كارثي على كل الأصعدة: فالهزائم السياسية ـ خلال القرن العشرين، بعد ثورات الاستقلال ـ وما شهده الوطن العربي، من تفتيت وتقزيم وتجزئة وسرقة أراضيه، واحتلالات في المغرب الذي ما زالت إسبانيا تحتل فيه سبته ومليلة، إلى الإسكندرون، إلى غير ذلك من اعتداءات إسرائيلية متواصلة على مصر وسوريا ولبنان والأردن، ومن استيطان احتلالي في فلسطين.. كل هذا وضع الإنسان العربي في موقف حرج، فالأنظمة السياسية المستبدة ظلت تدعي إعدادها للحرب مع إسرائيل، وفي سبيل ذلك قمعت الحرية والتنمية والعدالة، ومارست الأحكام العرفية والانقلابات السياسية، ووصل الأمر إلى أن صدق البعض كل تلك الشعارات والأكاذيب، أو آثر الصمت على حريته وباع كل حقوقه في سبيل القضية المركزية.

ولما رآى الإنسان العربي أن كل هذه الدعوات كانت مجرد شعارات، بل بلغ التراجع أن قدم كثير من الأنظمة ذرائع للاحتلال الغربي الجديد، لأراضيها، بعد أن سلم الكثير منها أوراقه لأميركا، وبعد أن اكتشف الإنسان العربي أن الهدف لكل الأنظمة هو السيطرة على شعوبها وتوريث الحكم، والتجبر بحياة الناس، وتكميم أفواههم، ومصادرة ثرواتهم، والتحكم بمصائرهم، وأن آخر ما يفكرون فيه هو كرامة الإنسان وحريته، أو تحرير الأراضي العربية المحتلة.. بلغ اليأس مداه، وكان لا بد أن تنطلق الشرارة، سواء في تونس أو سوريا أو ليبيا أو اليمن أو مصر أو أي مدينة، أو قرية عربية مقهورة.

ولأن الإقليمية التي تم الترويج لها، منذ سايكس بيكو، أوصلت البعض إلى قناعة أن كل بلد عربي هو «أولاً»، وأن المواطن ـ في هذه الأقطار ـ غير معني بما يجري من حوله، فوجئ الناس بأن الهم العربي واحد، وأن الألم واحد، والغضب واحد، والجسد العربي والروح لم يتفتتا ـ مع القطريات والإقليمات ـ فثار هذا الجسد، طامعاً في الحرية، مستعداً لبذل كل شيء لاستعادة مكانته تحت الشمس، بعد أن تم تدمير معنوياته وقيمته، وتلقينه أنه إنسان تافه؛ لا معنى ولا قيمة له.

جاءت هذه الثورات لتضع حداً لكل الرداءة التي سادت عقوداً طويلة، ولكل القمع والاستبداد، بل لتضع بداية زمن عربي جديد، يعلي من كرامة البشر، ومن قيمتهم ولا يستهين بحق الإنسان في الحرية والكرامة.

أما الأنظمة التي ما زالت تستعلي على شعوبها، فستلقى مصير مبارك وزين الدين بن علي، وأما من يبدأ بالإصلاح الجدي، ويفهم أن الظروف تغيرت، وما كان يمكن قبوله قبل شهور لم يعد مقبولاً ولا محتملاً، اليوم، ومن ينصع لرغبة شعبه، ويدرك جدية ما يجري، فقد يتم القبول به، والتعامل معه من دون عنف، ومن دون دموية.

لهذا فإن الشرارة التي انطلقت في تونس أشعلت كل الأحياء العربية؛ من البحرين إلى المغرب، لا لأن العرب يسعون إلى تقليد بعضهم، لكن لأن الروح انتفضت، وكانت الأسباب التي دفعت إلى ذلك حقيقية وعميقة ومتجذرة، وليست وليدة حادث عرضي، لهذا فإن عودة المارد إلى القمقم مستحيلة، ومن لا يريد تصديق ذلك ستحرقه النار.

***

أعد موبقاتي

ربما كنتُ إحداها

ربما جئت من واحدة منها

ربما أنتم ملائكة

أنتم ملائكة، حقاً، وأنا العدم

أنا الجرح المفتوح للألم

أنا المنفي في لغتي، في عدمي،

وفي ندمي

وأنتم ملائكة، حقاً

تريدون وصمي بالشقي وبيوتكم من كلام

سأرمي عليكم حنطتي وآيتي،

فلا تحرثوا الأرض التي ولدت عليها،

ولا تقربوا مدينتي الغافية، في بيت العنب،

أيها المدلهمون، مع الفجر، تتكاثرون عند السكر،

ولا تستريحون في بيت التعب.

تفرجوا؛ إن يدي فارغة وسيفي من خشب

لا أرجم العدو بلهيب كي أرجمكم بالقبلات

أقتات يومي وأنام على سوء ظني

فلا تعلموني لجم الغضب

آمنت بكم وكفرت بي

فلا تزيحوا الستارة عن نافذتي

ولا تكتبوا على صفحتي شارة العجب.