طفل الذاكرة
حبيب الصايغ
* دار الخليــج
هذا الصباح، سأضع ذاكرتي أمامي لا ورائي . سوف أنهض وكأنني نهار مواز . سأسير إلى أجنحة الطيور وعيون الغزلان . سأكتب المعنى عميقاً وبإشارات تتناثر في القلوب كشظايا الحروب . سأبدأ، هذا الصباح، من حيث لا تبدأ البدايات أو تنتهي النهايات . سأسافر من دون أن أتحرك قيد أنملة . لقد نويت، في هذا الصباح الخصوصي، على الدخول في الذات كما يجب . المشكلة أن النوافذ كثيرة، والأبواب أكثر من النوافذ . المشكلة أن السماء هي السقف، وأن الغيم يتكدس في الرأس وداخل الرأس، وأن قطرات المطر تختلط بقطرات الدم . المشكلة أنه لا مشكلة حقيقية، حتى يتوقف الإنسان قليلاً، ويقول للسيارات والشوارع والأنهار والبحار والأشرعة والأضواء والموانئ والكتب والدفاتر والسنوات والقطارات: قفي! . . قفي وإلا . .
المواعيد أخذها السندباد معه، والوردة الحمراء الأسطورية في جيب المعطف ذهبت في الذبول . الساعة تدق ساعة الصفر . الدقيقة الأولى والثانية والثالثة والستون . الدقيقة الثالثة بعد الألف . الساعات تعبر عن لهاثها بالرنين، والأيام تستيقظ منذ الصباح الباكر، وتغسل وجهها، وتفرك أسنانها، ثم تدخل في دفتر الدوام وكأنها دود الأرض .
ماذا تبقى بعد ذلك من الأمل أو الحنين؟
هذا الصباح، قررت وضع الأجوبة على الرف، والاكتفاء بالضجيج الذي يملأ الطريق . قلت منذ البداية إنه صباح خصوصي . لا تسألوني عن السبب، فليس من سبب معقول، ولا سبب غير معقول . يتوارد بعض الأفكار سريعاً، ثم يلح على الذهن قليلاً وكثيراً، وكل حقيقة غير مؤكدة، إلا الإنسان وهو ينهض، كل صباح، إلى مصيره ومصير الكون .
فماذا تبقى من الأمل أو الحنين؟
الإنسان طفل الذاكرة، والأعمار في الميادين والساحات . بين كل انطلاقة وانطلاقة ولادة وموت، وحديث ولادة وموت . الإنسان طفل الذاكرة، لكنه يكبر، يومياً، وهاجسه أن يضع ذاكرته وراءه، لكن هيهات .
ذاكرة الإنسان أمامه وكأنها تمثال عقل أو كرة قدم، وهو يركلها بكل قوته نحو الوصول إلى المرمى . يصفق المتفرجون طويلاً . يغنون ويرقصون ويعزفون أحزانهم على أوتارهم الممكنة والمستحيلة . يركل الناس كرات الذاكرة في الطريق إلى الشباك . وعندما يصلون، أو يخيل إليهم أنهم وصلوا، لا يجدون أمامهم شباكاً ولا متفرجين .
يكونون وحيدين في صباحاتهم الوحيدة، وكأن كل صباح محاولة انتصار على سطوة الذاكرة وتعب القلب .