قصائــد عراقيــة

بيــان الصفــدي

* الثـورة السـوريـة






شظايا فقط

«السياب» لم يمت‏

مازال هناك‏

واقفاً عند «شط ِّ العرب»‏

ملوِّحاً بيده‏

لم يتعب‏

لم ينم‏

وللمصادفة لم يمت‏

اِطمئنوا‏

لقد رأيته بعينيّ‏

شظايا فقط‏

أصابت معطفه الرمادي‏

وإلى الآن‏

مازال في مكانه‏

ملوِّحاً بيده للعابرين‏

عاشقة‏

على «شط العرب»‏

كانت فتاة تجلس وحيدة على مقعد‏

بلا نخلة تظلـِّلها‏

في كل هذا الصمت‏

حيث لا مركب‏

ولا مارَّة‏

ولا نورس‏

ولا غيمة‏

تنتظر حبيبها أن يعود‏

من المكان الذي هو فيه‏

من السجن‏

من المعركة‏

من المنفى‏

من المذبحة‏

من العمل‏

من المكان الذي هو فيه‏

منذ سنوات!!‏





الخليل‏

في ساحة من ساحات البصرة‏

رأيت «الخليل بن أحمد الفراهيدي»‏

صامتاً كالتمثال‏

بلا قلب‏

بلا صوت‏

بلا كوخ‏

بلا تلاميذ‏

بلا «عين»‏

لا أحد حوله‏

إلا رجال من «قوة حماية الشخصيات»‏

شارع العشرين‏

«شارع العشرين» في بغداد‏

تقف فيه فتاتي على الموقف‏

الموقف الذي يغيِّرنا كل يوم‏

الذي يجعلنا ملائكة ً بأجنحة‏

سرعانَ ما تتساقط عنا!‏

تلك فتاتي التي جعلتني لا أنام الليل‏

أن أبكي وأمرض من الحب‏

إنها هناك‏

واقفة طوال هذه الأعوام‏

في شارع الموت‏

وقد تيبَّست الورود‏

بين يديها‏

الكهرمانة‏

«الكهرمانة»‏

تصبُّ الزيت المغليّ في الجـِرار‏

لا أحد فيها‏

«الكهرمانة» تقول باكية:‏

لقد بدَّلوا الجرار‏

واختفى كلُّ من فيها‏

شارع الرشيد‏

في شارع «الرشيد»‏

نعبر خطفاً‏

حتى لا يبصرنا الموت‏

لم يبقَ سوى الأعمدة...‏

أعمدة‏

لا تستطيع‏

حتى أن تسند أنفسها!‏

مؤيد نعمة‏

أنا هنا‏

مؤيد أين ذراعاك؟‏

لماذا غرق زورقك في الرمل‏

في التراب‏

في الأفق؟‏

لماذا احترقت ألوانك في أصابع من فحم؟‏

مؤيد‏

لا تترك قلبي يتمايل مثل قارب معطوب‏

احملْ له قليلاً من هواء بغداد‏

من ألوانك التي تصرخ في سمائها‏

كالنذير‏

كالراية‏

كالقلب‏

.. الذي لا يملؤه‏

إلا حلم‏

ما زال يتكسَّر على أدراجها‏

في سراديبها‏

تحت النخل المذبوح‏

الورد المهروس بالعجلات‏

العشب المسحوق تحت الجنازير‏

الصراخ المختنق‏

في دهاليز الحرية ذات المخالب والأظفار‏

ذات الماء الأسود‏

والكلاب المدرَّبة‏

•••‏

هذا الصباح‏

أجلسناك أنا وعلي المندلاوي بيننا‏

أجل أيها النائم الحالم‏

كنت كعادتك دائماً‏

رجلاً معجوناً من غيوم وسنابل‏

كعادتك تحضن صور النساء والحدائق والأطفال‏

وتتأوَّه‏

تركت أعيننا تغرورق‏

لأنك ذاهب إلى الصمت‏

ونحن ذاهبون إلى الألم‏

إلى كرسيك الفارغ‏

إلى عينيك المحدقتين في الفراغ‏

إلى ابتسامتك التي جمدت في مكانها‏

مؤيد‏

توزَّعْنا حضورَك‏

حتى لا نغيب نحن‏

•••‏

مؤيد‏

من أجل بغداد‏

التي تبتسم تحت مطر الدم‏

ارفع يدك‏

اهمس لنا‏

اجعل أصابعك من جديد‏

ترسم شيئاً لهذا الصباح الشاحب‏

الذي يتحرك بطيئاً وثقيلاً‏

مثل كاسحة ألغام‏

نحو حلم قد ينفجر أمامنا‏

في أية لحظة‏

مؤيد ستبتسم بخبث، وتقول:‏

إنهم قادمون لاغتيالي‏

لأن قلبي خذلهم‏

ومضى بي إلى الصمت قبلهم‏

مؤيد‏

أخبرني‏

هل مازلت ترسم للأطفال؟‏

الأطفال الذين يشيخون باكراً!‏

هل سنظل معتوهين‏

في دولة هذا العقل كله!‏

ممسوسين بطفولة حافية‏

على رخام أيامهم؟‏

طفولة أسمال‏

وأصابع مرفوعة للسؤال‏

الذي يهرب منه الجميع!!‏

أبو جعفر المنصور‏

- إلى فاروق يوسف -‏

أبو جعفر المنصور‏

كان هادئاً طوال قرون‏

يتأمَّل أحفاده على أسوار بغداد‏

في مدينة السلام التي بناها‏

إنه يبكي الآن!‏

في مدينة القتل وقـُطـَّاع الطرق‏

مدينة الأقبية والسجون السرية ‏

مدينة نقاط التفتيش وحواجز الإسمنت‏

مدينة فِـرَق الموت‏

التي نسفت رأسه‏

... النائم على كتف المدينة!!‏



•كتبت القصائد في البصرة وبغداد أثناء المشاركة في زيارتي للعراق مدعواً إلى مهرجان المربد من 21 آذار حتى 2 نيسان 2011، وهي من مجموعة «كتابها» المعدة للنشر.‏

•مؤيد نعمة: فنان تشكيلي كبير وصديق رحل من عامين.‏

•المنصور هو مؤسس بغداد، وقد نسف العملاء تمثاله المكون من رأسه أمام مدخل الحي الذي يحمل اسمه في بغداد.‏