ذات يومٍ قال الخليفة العباسي هارون الرشيد، مخاطِباً شاعراً من المغرب العربي كان قد دخل عليه: "يقال إن الدنيا طائرٌ ذنبُه المغربُ العربيّ"، فردّ عليه الشاعر المغربي : "صدقت يا أمير المؤمنين، إنه الطاووس..".‏. كان ردُ ذلك المغربي ذكياً في وقتٍ –ربما- استهزئ فيه بأهل المغرب العربي.

تُرى هل خطر ببال أحدكم يوماً أن يطلع على واقع الأدب المغربي خاصةً فيما يتعلَّق بالإبداع الشعري..بمجرد أن تواردت لنا الفكرة، قررنا أن نستضيف في "مقهانا" محمد العدناني أستاذ البلاغة، والنقد وتحليل الخطاب بكلية الآداب بالرِّباط، لنتعرف على ماهية هذا الأدب وخصائصه من خلال الحوار التالي:

"الفرنسية" ليست مُوجِّهة
لا أخفي عزيزي القارئ أني كم تخوَّفتُ من أن تكون كلماتِه العربية مغموسةً بتلك الفرنسية لتذوب العربيةُ داخلَها وأخرج بلا شيء..تحياتي لك أستاذ العدناني.. ردَّ عليَّ مُرحِّباً بكلماتٍ جليَّةٍ مُرتَّبة.. إنه بلا شكّ جلاء العربية الفصحى وترتيبها وتعبيراتها .. قابلني بتلك اللغة الرائعة، فأثار بنفسي السؤال:" لماذا تحدِّثني بلغتنا الفصيحة وهي التي همِّشها الكثيرون ؟ أجاب:"هناك من يدَّعون عدم فهمهم للهجتِنا المغربية فأضطرُّ لاستخدامها..".. "إذاً دعني أجرب الاستماع للهجتك المغربية لأرى إن كنتُ سأفهمها أم لا.."..

بدأ العدناني "حديثنا الهاتفي" بأريحيةٍ مغربيةٍ فلم أرَ غرابةً أبداً إلا من بعض "المَدَّات" الخفيفة التي لم تُحدث لبساً لديَّ أو إشكالاً في فهم حديثِه الشيِّق.. "طيِّب يا سيدي الناقد، هناك فعلاً من المغاربة من يتحدثون بطريقةٍ بالكادِ تُفهَم خاصةً وأن الفرنسية تتداخل بها بشكل مُلفِت".. "إنهما تونس والجزائر.. حتى نحن في المملكة المغربية نكاد لا نفهم لهجتهم لكثرة ما تتخلَّلها اللغة الفرنسية"..

وماذا عن الأدب المغربي؟ هل هناك من يكتب "أدباً" باللغة الفرنسية؟ يقول العدناني:"هناك من يقرأ اللغة الفرنسية، لكنهم نُخبة، أما عن أولئك الذين يكتبون باللغة الفرنسية فهم موجودون أيضاً لكنهم ليسوا موجهين للحركة الثقافية العربية بكل مقوماتها".

وحول الأدب وواقعه اليوم في المغرب العربي يتحدث لنا العدناني مُفصِّلاً:" الأدب وعاء كبير فيه النقد وفيه الإبداع الذي يحتوي إبداعاً نثرياً وآخر شعرياً، أما عن الشعر في المغرب فقد فَقَدَ موضوعه ولم يعد له علاقةً بالواقع ولا حتى بذات الشاعر، إنه مجرد كتابةٍ بلا هدف.. باختصار إنه "هلوسات"!!.

"يا للدهشة!.."أيُعقَل أن المغاربة يكتبون "هلوسات"؟! يجيب:"نعم.. يكتبون كذلك، لكن هذا لا ينفي أن هناك مميزين قِلَّة يكتبون في الإبداع الشعري والسردي أمثال محمد العمري ومحمد بنيس وعبد الكريم الطبال ومحمد الصرغيني ومصطفى شريح وعائشة البصري وجميعهم يؤثرون في الثقافة المغربية فعلاً".

ويذكر أ. العدناني أن جمهورية ليبيا ليس لديها شعراء إطلاقاً لا قديماً ولا حتى حديثاً، منوهاً إلى أن الدكتور أحمد المجاطي صمت عن القول منذ عام 1977 ولم يكتب إلا قصيدةً واحدة عام 1985 صوَّر فيها حال الشعر والشاعر المعاصر.

ولو عدنا لتحليلات "المجاطي" لنماذج شعرية من كتابه" أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث" للاحظنا تهجمه على الأشعار المخلّة بالأنساق اللغوية الشعرية الخادشة للحياء لاستخدامها اللغة المُبتذلة، والذي رأى أنه وتحت أي ظرف يمر به الشاعر وأي مناسبة فإنهما لا يشفعان له أن يكتب بطريقةٍ يشترك فيها "الزَّنادِقَُة والمُتَسَكِّعون والجَهَلَة والمُفْلِسون وعامة الناس...". معتبراً أن للشعر والشاعر مقاماً وجب حفظه وتحصينه، وأن اللغة أحد أسباب هذا التحصين..

"شعر غير مفهوم"!!
ولكن هل شعراء المغرب اليوم يوظفون اللغة بالشكل الذي أوضحه المجاطي فعلاً؟ يقول أ. العدناني:"نعم.. إنهم لا يبتعدون في توظيفهم للغة عما ذهب إليه المجاطي، فهم يحومون حوله بدرجات مختلفة، حتى إذا ما قرر بعضهم تجاوزه، تَلَقَّفته الخوارق حيث تُستَباح القواعد وتُنْتَهَك العلاقات الطبيعية للغة والمفردات، فيكون الإبهام حبلَ نجاةِ الشاعر من فقر لغته، وعدم صفاء ذهنه، وبكل تأكيد، ليس حكم المجاطي مجانياً، وليس نتيجة صادرة عن جاهل يَرْجُم بالغَيب، فهو خبير بالشعر وأحوال الشعراء، ومن فُرسانه القلائل الذين يُعْتَرَفُ لهم بالشاعرية في ظل أزمة مُمِيتة طالت الكتابة والذائقة".

ويضيف:"كثير من الأصوات ظهرت في المشهد الشعري المغربي، ليبدو الأمر مبهجاً صحياً، لكن إخضاع تلك الأصوات للنقد يكشف عللها وسوءها".

لقد أرجع أ. العدناني فشل تلك الأصوات إلى غياب الموضوع في الإبداع الشعري وتهافت الشعراء في وقتٍ هم فيه قليلو الثقافة وليس لديهم دراسة بالفكر واللغة ولا بالمواضيع التي يتناولونها..

ويواصل:"هناك غيابٌ في الصناعة الشعرية وفي الآليات اللغوية والإبداعية التي تسعف هؤلاء الشعراء في إنتاج شعر راقٍ، إنه شعرٌ يفقد كل مقوماته الشعرية".

لقد بيَّن أ. العدناني أن أصحاب قصيدة النثر لم يستطيعوا تعويض ما أضاعوه من مقومات الإيقاع والوزن، بإيجاد عناصر أخرى ، فالوزن لا يمكن أن نفرط فيه إلا إن وُجِد شيء يعوضه.. وحتى النقاد أنفسهم يخلطون بين الإيقاع والوزن، فالوزن جزءٌ بسيط جداً من الإيقاع الذي فيه عناصر مختلفة كالقافية والموزونات الصوتية ، أما الوزن فهو خارجي تجريدي يقوم على التعديلات فقط –حسب أ. العدناني- والذي أضاف:" لقد هزُل المنتوج المقروء عند الإنسان، لتعدد الوسائل خصوصاً مع الرقميات، وإن القراءة من غير الكتب لا يمكن أن تُنتِج، ومن ثم فإن عدم القراءة يغيب الإبداع، وهذا ما يحدث في المغرب العربي بالضبط.. إنهم يكتبون الشعر ولا يقرؤون شيئاً!!".

في ورطة مع "اللغة"!
وماذا عن النقد؟ ما دور النقاد في إعادة توجيه أولئك في كتابة الشعر؟..لا بد أن لهم دوراً يوجه الشعراء للاتجاه السليم..يرد العدناني:"هناك أزمة نقدٍ تتمثل في تواطؤ النقاد، فأصبح النقد مجرد نقد صداقاتٍ بحيث يقوم النقاد بمدح الشعراء مدحاً فارغاً في حضرتهم وفي غيبتهم يذمونهم!!

لقد سأل الناقد اللبناني بول شاؤول في نصِّه: هل الشاعر يدخل إلى الكتابة خِلْوًا من المعرفة ومن القضية ومن المشاعر. فلماذا تجيء القصائد إذن؟!"..

"الأكرم لها أن تموت في صدر قائلها، وأن يموت قائلها في عتمة الصمت، لا أن تخلق أزمة بين الشعر وقرائه وتُشَوِّهَ سُمْعَة القصيدة. والأكرم للنقاد الذين يباركون مثل هذه القصائد أن يتركوا الشعر وينظروا في جنس آخر يحتمل مثل هذه المُجازفات"..

إذاً ماذا سيكون حال اللغة مع تأزُّم الشعراء وتواطؤ النقاد؟ يضيف:" لأن الشعراء لم يعد بإمكانهم امتلاك لغة تعينهم على مواجهة متطلبات القصيدة الجيدة، ضاقت بهم الأرض، وأخذوا يشكون عجزهم بنقله إلى اللغة!! لقد حملت عنجهيةُ بعض الشعراء إلى تحميل اللغة جريرةَ الهزال اللغوي، فبدؤوا يتهشَّمون اتِّباعاً على جدران هذا الفقر".

وكيف يكون هذا يا أستاذي العدناني؟ أيُعقَل؟! يجيب:"إن الشاعر يفتعل الصراع مع اللغة، فتراه يكابد قصوره ويأسه، ليحسم الصراع في الأخير لصالحه بتحميل اللغة المسؤولية التي يتوهمها. مسؤولية فقرها وضيق مجالها حيث لا سبيل أمام الشاعر إلا التهشم فوق هذا الفقر الذي لا يحتوي غِنَى مشاعره ولا يستوعب آماله ومآسيه المتعددة.! لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهنة، هي أن الشاعر وَرَّطَ نفسه حين أصر على أن يكون شاعراً وهو أَعْزَلُ لا يملك من أدوات الكتابة القدر الكافي ليُبدِع.

وهذا شعر أحدِهم وهو يحمل اللغةَ مسئولية فقرها،إذ يقول عبد العزيز أزغاي في قصيدة "أخطاء قديمة وطائشة":حتى الآن لا أعرف معنى ذلك..حتى وأنا أنام فيك كاملاً..مثل أخطاءٍ قديمة وطازجة.. لا أعرف مثلاً أن ما يليق بتفاحةٍ..هو كل الحدة التي قد تسقط على البال..لا أعرف معنى ذلك..أعرف أننا سنغادر أفكارنا بحبٍّ لنتهشَّمَ فوق فقر اللغة..".

تحجيم إبداعي
يذكر أ. العدناني أن المؤسسات التربوية لها دورٌ كبيرٌ في إفشال الأدب في المغرب، "فهناك تراجعٌ كبيرٌ في دورِها في الدفع بعجلة الإبداع الشعري من المدرسة حتى الجامعة، فدرس الأدب لم يعد ذا قيمةٍ ولم يعُد يُستقبَل بجِدِّيَّةٍ" حسب قوله، مضيفاً:" في المملكة المغربية ستُّ قنواتٍ تلفزيونية كل لها ثقافتها المختلفة إلى جانب التخمة في الإذاعات إلا أن ما يقدّم أدباً لا يأخذ حيزاً أكثر من 20 دقيقة أسبوعياً، وهذا من المعوقات الأخرى التي تحجم من دور الأدب في المغرب".

إلا أن القصة المغربية والرواية تعيش حالة انتعاشٍ ونجاحٍ كبيرين حسب ما أوضح أ. العدناني وأتبَعَ:" قبل ما يقارب خمسة عقود وصلت الرواية المغربية ما لم تصل إليه المشرق، ودليل ذلك أن المغربيين يفوزون بجوائز قيمة جداً في المشرق العربي وبحكام مشارقة".

إلا أن العدناني وفي ظل أزمة الإبداع الشعري، يخشى على الرواية المغربية من التراجع أمام القصة القصيرة والقصيرة جداً خاصة في وقتٍ امتازت فيه الرواية بطولها وأحداثها، وفي وقتٍ فيه الإنسان يسعى للحصول على كل ما هو سريع.





تحيااتــي الأميرة الحسناء ..