قــوى الشعــر
يوسف أبو لـوز
* دار الخليــج
(1)
كل كتابة تنتمي إلى الحياة تنطوي على حرية .
الشعر في حد ذاته هو فعل حرية، والشعراء الذين هربوا من عبوديتهم واستلاباتهم ومنافيهم الوجودية إنما وجدوا في الشعر تحرّر ذواتهم بالمعنى العميق للكلمة .
إن الشعر هو الوطن الحقيقي للشاعر الذي لم يجد له على الأرض حجراً رحوماً يضع عليه رأسه وينام ويحلم، بكلمة ثانية، الشاعر الذي لا يجد على الأرض مملكة خضراء، فإنه في الكتابة . . في الشعر تحديداً يجد خلاصه أو يجد ذاته محققاً بذلك إنسانيته وبهاءه البشري .
لم يكن المتنبي حرّاً في حلمه الأبدي الذي لم يحققه على رغم قوة هذا الشاعر الذي يقترب في خلوده من الأسطورة، ولكنه كان حرّاً في الشعر . حقق المتنبي المملكة التي كان يحلم بها في الشعر، في هذه المملكة ظل حرّاً، ولكنه كان أسيراً إلى حلمه الآخر . . الحلم الأرضي الذي لم يتحقق . هذا الأسر هو نوع من العبودية التي لا يمكن أن نرى لها اسماً في الشعر .
يطلق الشعر الإنسان من عبودية ذاته ومن عبودية الآخر ويأخذ به إلى فضاءات النور . . يأخذ به إلى عين الشمس وإلى القوّة الماثلة في قلب الإنسان .
الشعر هو الحرية، لأنه يأخذ من المخيلّة ويأخذ من اللغة، ويأخذ من الفكر والفلسفة والتاريخ . يولد من كل هذه الفضاءات الحية، ويبشرّ دائماً بولادات جديدة ونهار جديد .
يمكن تتبع تاريخ الحب في الشعر . ويمكن تتبع تاريخ الحرب في الشعر .
تاريخ الوردة، تاريخ الماء، تاريخ القلب . . جملة طويلة من مفردات الحياة والعالم والوجود لا تنتظم، ولا يؤكد مبتدؤها خبرها إلا الشعر .
يؤرّخ الشعر للألم .
يؤرّخ للمسرّة .
عبدالوهاب البياتي سكب المنفى في اللغة . أرّخ لأحزانه وعذاباته وهجراته بالشعر . إن الشعر هو السرد الآخر الذي اندلع من قلب البياتي .
بدر شاكر السياب أرّخ للمطر . . مطر، مطر على رأس السيّاب بدءاً من نهر بويب وحتى ذلك المطر الذي كان يهطل على جنازته في نهار رماديّ كانت فيه عين الشمس تدمع، والحجر يدمع أيضاً .
هل الشعر هو تاريخ من لا تاريخ له؟
كيف كان لنا أن نقبض على سيرة الغجر وهم يصعدون الجبل على لسان لوركا الذي لولاه لما كان لهذه الحفنة من البشر أن يتذكرها أحد .
الشعر يحتوي المنسي ويقبض عليه، يزيل عنه التراب والغبار ويصقله من جديد . يضيئه ويجففه من الماء الآسن ويحنو عليه، نعم . . الشعر يحنو على المنسي والمهمل والغائب . يشحن الأشياء والكائنات بالذاكرة .
الشعر ذاكرة الوردة والحجر والغيمة والباب .
ذاكرة حرّة، تماماً كقلب الشاعر الحر .
ذاكرة مملوءة بالماء والعطر .
يترك الشعر خلفه رائحة عطرية تنقل من يشمّها إلى طفولته وصباه الأول .
من الطفولة . . من مركز ذلك العالم الأبيض والفطري يأخذ الشاعر لغته الأولى .
ذلك السحاب الخفيف الذي كان يقترب من رأس الشاعر، وهو يركض في حقل أبيه . يصطاد القطا، ويستدرج الشمس إلى كهوف جدّه وأعمامه . . ذلك السحاب إيّاه هو أول لغة للكتابة .
تلك الصباحات الفائرة برائحة الشومر . الصباحات المولعة بالقهوة وخجل الرمّان . صباحات الماعز الذي يتسلق الجبل فيحيله إلى سحابات سود مستعارة من هذه الماشية السوداء . . تلك الصباحات هي لغة أولى للكتابة .
المطر . . المطر الفحولي الذي كان يدك باب المغارة ويثير الفزع في قلب القط، وينهمر على رداء الجدّة الهاربة من سيل الماء النازل من الأعالي . مطر تشرين، تشرين على وجه التحديد . . الوقت الأمثل للحب والدفء . . ذلك المطر هو أيضاً لغة أولى للكتابة .
الشاعر المسكون بحقل أبيه . الذي ما زال نائماً في المغارة، وما زال المطر يهطل على رأسه وطعامه وماعزه لم يكبر منذ تلك القرية . ومنذ ذلك الزمن، لغته أيضاً لم تكبر . ظلّت بيضاء وفطرية، ولذلك كان يحب الشعر الذي يتصل بقرابة لغوية بقصائده المكتوبة بقلم من القصب .
هل الشعراء إخوة؟ نعم إذا كانت طفولاتهم متشابهة . . إذا كان مكان طفولة شاعر في إفريقيا يشبه مكان طفولة شاعر في الصين فثمة علاقة أخوّة بين الشاعرين . . ثمة علاقة أخوّة بين اللغتين .
مرة ثانية . . رائحة خزامى أو رائحة ورد خلف الشعر .
الشاعر لا يتلفت إلى الوراء وإلا أصبح عموداً من الملح، ولكنه يعرف رائحة تلك الخزامى وذلك الورد . هي ذاتها رائحة اللغة ورائحة الكلمات .
بالكلمات يبني الشعراء قلاعاً بيضاء .
بالكلمات يملأ الشعراء العالم برائحة العطر .
الشعر، هو الأمومة أيضاً .
أكثر من الأنوثة . . هو الأمومة .
اللغة في حد ذاتها هي رحم وصدر وثدي وكيان مملوء بالحياة، وبالحرية أيضاً .
الشعر أمومة مزدوجة أو أمومة مركبة عندما يتوجه إلى امرأة أو شجرة أو أي رمز أنثوي أو أنوثي .
أمومة الشعر تتمثل في احتوائه العالم والوجود . إنه فعل كلّي وأعمق من ذلك هو فعل إنساني يطهّر ويصقل ويربّي ويحنو .
الحنان أو الحنو هو اسم آخر للشعر، أي هو اشتقاق غير لغوي أو غير أبجدي من الأمومة ذاتها .
قاسم حداد يقول . . “ . . أنحني لأحنو”، والشاعرة حمدة خميس تحنو على كائناتها في الشعر، وفي الشعر تربي الفراشات وبراعم اللؤلؤ .
الحنان الآسر في شعر جاك بريفير، وفي شعر بابلو نيرودا، والتشيلي ماثياس، ذلك الحنان الآسر أيضاً في شعر خلود المعلا وعبدالعزيز جاسم وعادل خزام وانسي الحاج ويوسف عبدالعزيز وغيرهم وغيرهم من الشعراء . . أليس كلّه أي كل هذا الحنان هو نتاج أمومة؟
قلب الشاعر هو إناء قصيدته، ولكن قلب الشاعر أيضاً هو أمّ صغيرة . . أمّ شابة وجميلة مملوءة بالحياة تولد كل يوم قصيد من أجل العالم ومن أجل الحياة، من أجل الخفّة والبهجة التي تجعل الإنسان يشعر أنه طائر من دون جناحين .
أمومة الشعر تتمثل، أيضاً، في احتوائه على الأشياء الصغيرة . . مرة ثانية الشعر يحنو على الأشياء المنسية، تلك الأشياء والكائنات التي بلا تاريخ وبلا جغرافيا أيضاً .
كما أن الشعر هو تاريخ من لا تاريخ له . . هو أيضاً أمومة من لا أم له .
يحصّن الشعر من الخوف . .
حصانة الشعر تكمن في قوّته وفي سيرورته في الزمن وفي التاريخ، والقصيدة التي تنطوي على قوّة تكتسب مع الوقت مرونة أكثر وحيوية أكثر، ولذلك، لم يمت شعر امرئ القيس ولا شعر المتنبي ولا شعر أبي تمام، كما لن يموت شعر البياتي ولن يموت شعر محمود درويش، وغير هؤلاء من الشعراء أو لن يموت شعر فيه قوّة وفيه سيرورة .
كل طغاة العالم لم يشيّدوا مشنقة إلى الأبد . .
سراديب السجون، والمقاصل التي جفّ عليها الدم، وبنادق القنّاصة، ومسدسات كاتم الصوت كل هذه الأعمال أو “الإنجازات” التي سهر عليها الطغاة ذهبت مع الريح، وبقي الشعر .
الخوف وثقافة الخوف التي أرساها الطغيان في كل الأزمان والعصور والإمبراطوريات انتهت إلى زوال، وبقيت تلك الروح الآمنة في الشعر .
قوّة الشعر هي التي تدحر الخوف وثقافة الخوف .
صحيح أن الشعراء لا يعرفون استخدام الأسلحة، وكل شاعر في قلبه زهرة ليمون، لكن هذه الرقة وهذه الخفّة تتحول في لحظة صغيرة إلى ما يشبه براعم النار .
في اتجاه آخر . . الشعر ينطوي على خوف .
حتى الجبابرة والطغاة المحترفون لديهم ما يفعلونه ضد الشعر، لأنهم يخافون من برعم النار . . هذا البرعم الصغير الذي يتمدد في الليل مثل نبات الجدار ليصل إلى سرداب الطاغية ويحرر السجين من العتمة والنسيان .
وكم من سجين زجّ به الظلم إلى العتمة قد احتمى بالشعر وتحصّن به . . هكذا كانت دواوين الشعر يتم تهريبها إلى تلك العتمة التي سرعان ما تضيء بقنديل الشعر .
الشعر حصانة . .
وكم من إنسان جميل في هذا الكون المكبّل بأحزمة الظلم قد طلب اللجوء إلى الشعر . . أو طلب اللجوء إلى حصانة الشعر .
يحوّل الشعر الحب إلى أغنية . .
الشعر ملح الحب وأزهاره اليانعة في إناء من الفضة، ويبدو الحب ناقصاً إذا خلا من عطر الشعر .
حتى الحزن يحتاج إلى عطر الشعر .
كان الشاعر محمد القيسي يرفرف كالعصفور المبلّل بالندى، وهو يسير في مدينة الكتابة، وحيداً أحياناً حتى لو كان بين أصدقاء أو بين جماعة .
أطلق عليه محمود درويش شاعر الأسى الفلسطيني، ولكن لم يكن هذا الأسى كله فلسطينياً . . إنه في النهاية حزن شخصي، حزن شاعر كان يبحث عن الحب في عالم كبير ليس له سقف، كان يقول “الشارع أجمل من سقف”، وبقدر ما كان القيسي شاعر حزن كان أيضاً شاعر حب .
كان، بكلمة ثانية . . شاعر الملح .
ذلك الملح الذي له مذاق السكر نجده أيضاً في شعر أراغون شاعر الثورة وشاعر الحرية . . والملح الذي بطعم السكر والذي هو خميرة الحب نجده كذلك في شعر سان جون بيرس، وحتى في شعر بودلير السوداوي والحزين، نجد هذه الخميرة الرائعة في شعر محمد الدميني ومحمد جبر الحربي وطاهر رياض وزهير أبو شايب وأحمد راشد ثاني . . وغيرهم وغيرهم من شعراء الموازنة العادلة بين الذات والآخر . . بين القلب والعقل . . بين الصمت والصخب إذا كان شعر الحزن صخباً وشعر الحب صمتاً .
الشعر، يحوّل الحب إلى موسيقا، ويحوّل الحزن إلى قمر دامع في ليل بارد .
تلك هي قوى الشعر . . هو فضاء للحرية، وهو التاريخ أو تاريخ للتاريخ، وهو الأمومة، وهو الخوف .
الشعر أيضاً ذاكرة .
الشعر وطن الحب ومنفاه .
لذلك، يعيش الشعراء أكثر من الطغاة . . يعيشون في الزمن . . وفي هذه الأرض التي لا تبدو طيّبة ومرحة إلا بذلك الضوء الذي يشع من قلب الشعر .