-
13 - 5 - 2011, 11:02 PM
#1
أيار في الذاكرة :إلى روح الشاعر إبراهيم طوقان * زياد عودة
أيار في الذاكرة :إلى روح الشاعر إبراهيم طوقان
زياد عودة
* الدستـور الاردنيـة
أكثر من سبعة عقود مرّت على رحيلك، أيها الشاعر الذي مضى بجسده، وظل حياً بروحه وشعره؛ فقد كنتَ نجماً لامعاً في سماءِ فلسطين، يمتد نورك إلى فضاء الوطن العربي الكبير، إلى أن جاءت قوى واجتثت ذلك القلب من جسد الأمةِ العربية.
كنتَ أحد الذين أحسوا بالواقع المرّ الذي كان يلف كل جزء من البلدان العربية وأدركت ـ بحس الشاعر ـ أنّ الأجواء مظلمة مظلمة. كنتَ أحد الذين تنبؤوا بضياع وطنك الفلسطيني الأسير؛ المكبل بالحديد والنار، قبل أن ترتحل عن هذهِ الدنيا، وتترك ـ على جبين الجرح الفلسطيني ـ ذكرى حزينة ليس من السهل نسيانها. لقد مضيت تحملُ معك جراحك وآلامك، قبل أن تشهد لوعة الفراق، وانتزاع الوطن من أيدي أصحابه الذين شردوا في دنيا الله الواسعة، لتنام في أعماق الأرض التي أحببتها، وترقد رقدتك الأخيرة في مقبرةِ مدينتك الباسلة،نابلس،الت جاء العدو الصهيوني واحتلها بعد ستة وعشرين عاماً،على رحيلك،ليضمها تحت جناحيه الفولاذيين؛ليحرم الطيور أعشاشَا، والعشاق مقاعدَم، وأهل المدينة مدينتَم المحاصرة بالدم والنار. وكم من مرةٍ اقتحموا حارات نابلس، وقتلوا ودمروا وكأن بينهم وبين أهلها ثأراً قديماً يريدون أن يسدوه، ولكن بالبطش والإجرام والإرهاب، وهذا ديدنهم دائماً، وسقط العديد من الشهداء دفاعاً عن كرامتهم وحريتهم، وكانوا امتداداً لأجدادهم الذين كانوا يوجهون الصاع صاعين للعدو الماكر. يا شاعر الشهداء والجراحات والآلام، يا شاعر الحب والأمل والحياة، ستظل ـ كما كنت ـ ذلك النجم الذي يضيء، كل ليلةٍ، سماء فلسطين، التي ظللها دخانٌ أسود، ولا بد أن يأتي ذلك اليوم الذي سيزول فيه ذلك الدخان، وتتفتح آفاق الحريةِ بلا حدود، وشمس فلسطين ستشرق، من جديد، على أهلها، رغم كل الحرمان والمآسي.
ماذا أقول، بعد، في ذكراك، سوى الأمل أن تعود الجموع المهاجرة إلى وطنها؟ فما عاد في القلب متسع لمزيدٍ من الجراح. فنم، يا شاعري، قرير العين؛ راضي الفؤاد.
فالمجد لكَ ولجميع الذين خلدت ذكراهم فخلدك الزمان، يا صاحب نشيد «موطني»، الذي يردده العرب في جميع أقطارهم وأمصارهم، مع نشيدهم الوطني، دليلاً على أصالة عروبتك، وعمق نظرتك القومية الرائعة:
موطني،
موطني،
الجلالُ والجمالُ والسناءُ والبهاءُ في رباكْ
والحياةُ والنجاةُ والهناءُ والرجاءُ في هواكْ
هل أراكْ
سالماً منعماً وغانماً مكرّماً
هل أراكْ في علاكْ
تبلغ السماكْ؟
موطني،
موطني،
الشباب لن يكلَّ؛ همُّه أن تستقلّ أو يبيدْ
نستقي من الردى، ولن نكون للعدى كالعبيدْ
لا نريدْ
ذلنا المؤبدا
وعيشنا المنكدا
لا نريدْ
بل نعيدْ
مجدنا التليدْ
موطني،
موطني،
الحسامُ واليراعُ، لا الكلامُ والنزاع، رمزنا
مجدنا وعهدنا، وواجب إلى الوفا يهزُّنا
عِزُّنا غايةٌ تشرّفُ، ورايةٌ ترفرفُ
يا هَناكْ
ـ في علاكْ ـ
قاهراً عِداكْ
موطني
وستظل قصيدتك، «الثلاثاء الحمراء»، أنشودة رائعة على مرّ الزمان، وشعلة تضيء الطريق أمام الأجيال الفلسطينية، لتقدم المزيد من العزم والشهداء، حتى يتم تحرير فلسطين كلها، من النهر إلى البحر، كما أردت لها أن تكون حرة عزيزة كريمة. ونسجل هذه الأبيات الأخيرة من قصيدتك «الثلاثاء الحمراء» ذكرى لن تموت:
أجسادهم في تربة الأوطان
أرواحهم في جنةِ الرضوان
وهناك لا شكوى من الطغيان
وهناك فيض العفو والغفران
لا ترجُ عفواً من سواه
هو الإله
وهو الذي ملكت يداه
كل جاه
جبروته فوق الذين يغرَهم
جبروتهم في برهم والأبحر
ونثبت هنا الأبيات الأولى من قصيدة «رثاء إبراهيم»، للشاعر جلال أمين زريق، صديق إبراهيم طوقان، ألقيت في حفلة تأبينه في نابلس بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته:
طَوَيْتَ صحائفَ هذي الحياةِ ونجمُك في مستهلّ السُرى،
وَشَطّتْ ديارك ـ بعد التداني ـ فواوحشتا، يا أليفَ الصبا
تنكَّرَ، بعدك، ضوء النهار وحالت وجوه ليالي الصفا
وحزَّ الأسى في نفوس الندامى، وحق لها أن تعانى
إلى أن يقول، في نهاية القصيدة:
سلامٌ عليك، نعمتَ مقاماً وحيّا ترابك صوبُ الحيا
تخيّرَك الله، من بيننا، فهيئ رحابك للملتقى
كما رثاه زميله ورفيق دربه الشاعر عبد الكريم الكرمي، في الاحتفال نفسه، بقصيدة طويلة بعنوان «يا أخي»، جاء في مقدمتها:
كيف أبكي، وكيف يبكي قصيدي
ومضى، اليومَ، طارقي وتليدي؟
أي أخي والحياة بعدك قفرٌ،
والفضاء الرحيب دار الجديدِ،
اللظى ملء خاطري وفؤادي،
وإهابي والعيش غير رغيدِ
أين تمضي؟ لمن تركت القوافي،
والمروءات خافقات البنودِ؟
وسلام عليك، في الأولين والآخرين، أيها الشاعر العبقري.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى