الماضي الذي لا يمضي . . والحاضر الغائب

محمد الأسعد

* دار الخليـج



النغمات الغالبة على حديث عدد من المثقفين العرب، وفيهم الشاعر والمفكر والروائي وحتى الفنان، تذكرني بمعزوفة انتهت صلاحيتها منذ زمن، ومع ذلك لا تزال تعزف بشهية ورغبة بل وبشوق عارم؛ معزوفة أبرز نغماتها “إن العرب أمة منقرضة” وإن “الخرائط تنهار من حولنا”، أو، وهذا الأكثر طرافة بين النغمات، “إننا أمة مهزومة” و”إن العرب لا يجمعهم جامع إنما هم عرقيات وإثنيات وطوائف” وإن “حتى خريطة سايكس بيكو تحتاج إلى إعادة نظر ولا بد من إعادة رسمها على مقاسات أصغر” . . وهكذا .



لا تكتمل هذه المعزوفة بالطبع إلا ببرامج “حوارية” تبث في الفضاء لتصل إلى أبعد نقطة، قد تصل إلى سكان الكواكب البعيدة، محورها إطلاق الشتائم على هذه الأمة وثقافتها، والسخرية من كل نقاط ماضيها وحاضرها المضيئة .



نجد هذا النوع من المعزوفات يتكرر أيضاً على ألسنة ممن جاورهم الحظ والتقطوا لغة فرنسية أو انجليزية، فذهبوا بموهبتهم الفريدة إلى ندوات تعقد هنا أو هناك في فضاء الثقافات، سواء كانت شرقية أو غربية، ليطلقوا هذه النغمات على أسماع أناس فاغري الأفواه ومعجبين بالمبلغ الذي بلغته “حرية” و”ثقافة” هؤلاء، أن يمثلوا أدوار قردة في سيرك دولي، وأن يرتدوا أقنعة ويخلعوا أقنعة بين ثانية وأخرى .



يقال للمندهشين والمعجبين “نحن المطرودون” من الخريطة، أو “نحن آخر أنبياء الشرق الذين لفظهم شرقهم” أو “نحن شهود اندثار أمة عياناً فصدقونا” و”خذونا بالطبع إلى معاهدكم وجامعاتكم وأجهزة مخابراتكم، فلن يفيدكم أفضل منا، نحن الذين عرفنا شعاب هذه الأمة، وليس هناك خادم أفضل ممن عرف الشعاب وتصعلك فيها في شبابه” .



***


هذه معزوفة انتهت صلاحيتها، لأنها عُزفت وظلت تعزف منذ أكثر من أربعين سنة، معزوفة ماض لا يريد أن يمضي رغم ضغط أحداث الحاضر الآخذ بالتشكل على يد قوى شعبية مقاومة جديدة لم يعرفها أصحاب هذه المعزوفات، ولا يتمكنون من التعرف إليها لسبب بسيط، وهو أنهم متشبثون بحكم نزعتهم التقليدية بما عرفوه في ماضيهم الآفل . ولأن بين أيديهم القديم الذي ذللت لهم طرقه في غابر الأيام من جانب، وبين أيديهم الجديد الذي يجهلون من جانب آخر، فاحتضنوا الأول وأعلنوا عداءهم للثاني .



هم أعداء الحاضر بكل أنواره وبشائره؛ هم أعداء المقاومة في لبنان التي قلبت موازين الصراع، وأعداء المقاومة في أي مكان، أعداء فعلها وفكرها المتوهج الأصداء في كل الجهات، وهم أعداء واقع إن الأمة العربية، التي ظللتها غيوم التفتت والتقوقع وفقدان الذاكرة، بدأت تستعيد ما تناثر منها وتجمع مصادر قوتها، وهم قبل كل شيء أعداء كل ما يذكر بأنهم خارج الجغرافيا والتاريخ الثقافي والسياسي والاجتماعي الراهن، في عالمنا وفي العالم من حولنا، حتى إن توهموا أنهم في قلب العالم لمجرد حدوث جملة مصادفات جعلتهم يجلسون في ميادين عواصم عالمية . هم لم يغادروا ماضيهم في هذه الميادين لأنهم يحملون معهم نوافذ خمسينات وستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي . هم مطرودون من الذاكرة الحية، ومعلقون بذاكرة ميتة فقدت صلاحيتها لدى أجيال لم يعرفوها، ولفظت ترهاتهم وبدأت تسخر منهم وهم يعودون إلى التسلل إليها عبر هذه الفضائية أو تلك .



***


قيل مراراً وتكراراً إن مأساة الثقافة العربية تكمن في مثقفيها وفنانيها قبل أن تكمن في أي شيء آخر . ولم ينتبه أصحاب هذا الاكتشاف إلى أن صلاحيته تنتهي بانتهاء من يشير إليهم، فالثقافة ليست وصفة يأخذها الأموات معهم، ولا هي امتياز جيل دون جيل، بل هي ديمومة حية تواصل الحياة مع كل جيل يولد ويتعلم من الحياة ذاتها حتى إن عز المعلم والمعلمون . أعني أن المأساة تكمن في فكر غير حي يجهد أصحابه أنفسهم للبقاء مناقضين بذلك قانوناً طبيعياً جلياً، أن الحياة تتطلب فكرها الحي دائماً، ولا تفشل في العثور عليه . وسيجد أصحاب الفكر الميت أنفسهم، هم وما يلوكون في أي لغة كانت، خارج الخريطة بالفعل .



أليس مدهشاً أن نسمع الجموع الشعبية الآن تزهو وتتغنى بأقوال وأبيات أناس من الماضي البعيد، شعراءَ ومقاتلين وحكماء، وتنأى بنفسها عن أقوال وأبيات “أحياء” التجديد وأنبياء الحداثة الذين حشدوا الفضاء العربي بالضجيج زمناً؟ هؤلاء الذين يفترشون الآن قارعة الطرقات أو زوايا أروقة وكالات الاستخبارات وأذرعها الثقافية والإعلامية؟



الأمر إذاً ليس أمر قديم وجديد، ولا هو أمر شاب وعجوز، بل هو أمر الرأس الحي قبل كل شيء . الإنسان حي بفكره وليس بعدد سنوات عمره . لهذا أستطيع ببساطة القول مثلا إن شاعراً عاش قبل ألف عام هو أكثر حياة من شاعر يتقافز من منصة إلى أخرى في هذه الأيام، وأستطيع القول ببساطة أكثر، إن مفكراً تحول إلى تراب منذ أحقاب طويل يمكن أن نجده يغذي نسغ أشجار الحاضر ويحضر في ثمارها، بينما يعجز من هو حي بحساب علم الكائنات الحية عن تغذية حبة قمح .



***


أعداء الحاضر هؤلاء، أعداء ما جهلوا، وأصدقاء ما عرفوا، هم أصحاب نغمات الماضي، هم الماضويون على وجه الحقيقة، أما هذه الأجيال التي تعرف جيدا التمييز بين فكر حي وفكر ميت حتى لو وضع عمامة مفتخرة أو قبعة من قبعات مليونير من برادفورد، فهي صديقة الينابيع الحقيقية، صديقة الخريطة العربية الآخذة بالعودة ولملمة شظاياها .



صحيح أن الاختلاط قائم، الخلط بين لمعة الذهب ولمعة الحديد الصدئ، والخلط بين عمق شبر ماء عكر وعمق أميال من الماء الصافي، إلا إن رنين الزمن خير من يكشف أصالة هذا المعدن وزيف ذاك المعدن . بل وتكشفه الحياة ذاتها، فالإنسان لا يعيش إلى الأبد في هذه العوالم الافتراضية التي تخلقها أوهام انقراض الأمة وانهيار الخرائط . يمكن أن يقذف إليها قذفاً بفعل سطوة شاشة فضائية أو شهرة دجال في دور مفكر أو تعاويذ تاجر في ثياب شاعر، إلا أن الافتراض يظل افتراضاً، وفي لحظة ما لابد أن نشاهد الممثل يخلع ثيابه، وتنتهي المسرحية، لأن الحياة لها متطلباتها بعيداً عن خشبة المسرح أو سينما خيال الظل أو الشاشة الافتراضية .