|
|
بالحرب وحدها
خيري منصـور
* دار الخليــج
عندما زار هربرت ماركيوز فلسطين بعد حرب حزيران، التقى سيدة من نابلس، ورغم أنها أميّة إلا أنها استطاعت أن تغير رأي هذا الفيلسوف وهو من أصل يهودي حول القضية برمتها .
كان ماركيوز من المثقفين الفاعلين الذين أثروا في ثورة مايو/ أيار عام 1968 على امتداد أوروبا والولايات المتحدة، وافتضح بعدة كتب منها “الإنسان ذو البعد الواحد” دور الاستهلاك السلبي في تجريف الوعي وتدجين البشر، وما إن عبّر عن رأيه في الاحتلال بعد لقاء تلك السيدة حتى أنهت سلطات الاحتلال زيارته إلى فلسطين .
بعد ذلك بعقود تكرر الأمر مع نعوم تشومسكي وهو عالم لغوي وناشط سياسي ومن أصل يهودي أيضاً، جاء ليرى بنفسه ما يجري على أرض الواقع في فلسطين لكن سلطات الاحتلال منعته من الدخول عبر الجسر ما اضطره إلى عقد مؤتمر صحافي في عمّان لخّص فيه رأيه المضاد للصهيونية والاحتلال، ويذكر إسحق دويتشر المفكر الروسي وهو من أصل يهودي أيضاً أن بن غوريون رفض مصافحته عندما التقاه لأول مرة لسببين، أولهما ما كتبه عن القضية منذ الجذور وثانيهما لأنه لا يكتب باللغة اليديشية وهي لغة طقسية يهودية شبه منقرضة .
وتطول القائمة لو تذكرنا تكفير الحاخامات لبورغ والإفتاء بعدم دفن جثته في أرض الميعاد لأنه افتضح المشروع الصهيوني من ألِفِه إلى يائه .
وهو المصير الذي لقيه إسرائيل شاحاك بعد صدور كتبه الثلاثة عن دحض الذرائع الصهيونية لاحتلال فلسطين واستيطانها، ولم تسلم منه المحامية فيليسيا لانجر بعد صدور كتابها “رأيت بأم عيني”، والذي قدمت فيه وثائق حية عن التعذيب والاستيلاء والإقصاء القسري .
إن مقولة السيد المسيح وهي “الإنسان لا يحيا بالخبز وحده” وجدت في الصهيونية من يحورونها بحيث تصبح “الإنسان لا يحيا بالسلام على الإطلاق” . وهذا ما أشار إليه أكثر من مؤرخ وزائر لفلسطين خلال العقود الستة الماضية .
إن من لا يعيش بالسلام، لن يستطيع الحياة إلا بالحروب، وهذه خاصية يحتكرها الغزاة على امتداد التاريخ، فهم كما قال الشاعر الباقي محمود درويش لا يخافون شيئاً قدر خوفهم من الذكريات . لهذا يودون لو يصاب العالم كله وليس ضحاياهم فقط بالزهايمر كي يبدأ التاريخ لحظة سطوهم على المكان وكي يصبح الزمان زمانهم وحدهم فقط .
وإذا كان هناك سبب تقليدي لخو ف الصهيونية من السلام هو تأجيل انفجار التناقضات والتذّرر الإثني، فإن السبب الآخر الذي تغذيه ثقافة نووية هو الحفاظ على ما تم سلبه والاستيلاء عليه، فالمريب لا يستطيع إخفاء إحساسه وكل ما يصدر عنه ينبئ الآخرين بأنه يحاول التستر على جريمته، لهذا فالحرب واستمرار وتجديد أسبابها أقنوم صهيوني بامتياز، ويستطيع أي مؤرخ جاد ومحايد أن يرصد كل ما حاولته الصهيونية خلال قرنين بدءاً من مقاومة اندماج اليهود في السياقات الحضارية التي يعيشون فيها حتى هذا الصباح ليجد أخيراً أنه وصفة مثالية لحذف مفهوم السلام من التاريخ البشري .
ولهذا أيضاً لم يسلم يهود اتهموا بالعقوق للحاضنة الصهيونية من العقاب، بدءاً من إبراهام ليون الماركسي حتى شاحاك وبورغ ومن اقتفى خطاهم على الطريق المضاد .