|
|
فلسطين بين مساحَتَين
خيـري منصـور
* دار الخليـج
هل كان العرب على موعد مع لحظة تختبر ما تبقى فيهم من نبض؟ بحيث يلتفتون بملايينهم كلها وعلى اختلاف خطوط الطول والعرض إلى تضاريس جغرافياهم إلى عاصمة الرّوح .
قُدسهم التي كانت على امتداد تاريخهم الأغلى مَهراً من كل المدائن والحواجز، وما يتقطر في هذا الشفق الدامي من كثافة أحزانهم وصلواتهم، إننا نعيش الآن لحظات تحرر فلسطين أولاً من التعريف الجغرافي الضيق لها من البحر إلى النهر، فهي إذ تتمدد في الذاكرة القومية تصبح جملة زرقاء بين الخليج والمحيط، وبين ماءين أوشك الظمأ المزمن أن يشقق شطآنهما، فقد كانت فلسطين القضية وقبلة الأشواق القومية والإنسانية بسعة كوكب . بإطارين أشبه بقطبين هما عروبتها وإسلاميتها ومسيحيتها .
ثم جاء من يضيقونها بحيث لا تتجاوز مساحتها الجغرافية، لتمكث في غمدها الصخري الأشبه بخنجر، وهي بالمناسبة خنجر لكنه مزروع في ظهرها، منذ جاءها المستوطن الأول ليغير اسمها ويشيد على أطلال قراها دولة اسبارطية لا تعرف غير السيف، وهذا هو عقب آخيلها أو بالتحديد مقتلها .
لم يكن العرب والمسلمون ذات يوم بعيدين عن هذا الشجن بكل ما يصدر عنه من نشيج صامت، لكن هذا العام وهذه الذكرى تزامناً مع حراك قومي راعف بحيث أصبح العربي لأول مرة منذ عدة عقود عجاف يتحسس ما تحت قدميه . ويرى ما هو أعلى من سقف بيته، ومن كان الهلع يعلك قلوبهم من سعة القدس التي فشل رسامو الخرائط الجديدة في تضييقها، يفاجأون الآن بأن كل زقاق من أزقتها يتسع لثلث مليار عربي ما دامت قلوبهم هناك، وعيونهم دامعة كعيون الخيل، وهي تبحث عمن كانوا يمتطون صهواتها ثم غابوا .
قد لا يملك الناس غير هذه المسيرات الرمزية التي تتوقف عند تخوم قُدسهم، أو ثغور الساحل المحتل . لكن أضعف الإيمان هذا خير من النسيان أو التناسي لأن العين بصيرة، بحيث تلامس رموشها عكا واللد والناصرة، لكن اليد أقصر من أن تحك الرأس أو تشير إلى تلك الجهة التي يأتي منها الإعصار المؤجل .
لقد قالوها قبلنا هؤلاء الذين عمقت دبابات الغزاة البذور في تراب وطنهم، قالها الفتى الفرنسي فيركور ورددت الصدى جبال تقاوم على طريقتها لصدّ الأعداء .
منذ ستة عقود كانت فلسطين أيقونة البيانات الأولى في الانقلابات وحجر الأساس الذي يدشن خطابات الساسة الحالمين باجتذاب أصوات الناس، وهي لم تغب وإن كان الدخان الكثيف وغبار الحروب الدونكيشوتية قد حجبها قليلاً، وما من عافية قومية لعرب هذا الوقت وكل أوان إذا بقي الجرح نازفاً من خاصرة هويتها، لأنها اقترحت من خلال سرديتها العظمى تراجيديا عصرنا، بحيث أصبح الإيطالي فلسطينياً حتى النخاع والفرنسية فلسطينية حتى آخر وأدق هدب في الكوفية، والأمريكية مصداً بشرياً من لحم وعظم أمام الجرافة التي لم تهدف إلى تجريف التراب المقدس فقط، بل كانت الدبابة والأباتشي من قوائمها التي تستهدف تجريف تاريخ وثقافة وهوية عريقة .
وثمة عودة قبل العودة، هي عودة فلسطين القضية إلى نطاقها العربي والإسلامي فهي إن لم تكن كثافة أمة وعقيدة لن يعاد إليها، وهذا ما كان على الدوام رهان غزاتها كي يستفردوا بها وهي رهينة جغرافيتها ومساحتها الأرضية لا الروحية أو التاريخية .
إنها لحظة طالما تأجلت لعودتين، واحدة منها وأخرى إليها .