عودة إلى الينابيع
محمـد الأسعـد
* دار الخليـج
يقول الأمريكي “جاسون كوبولا”، أحد صنّاع الأفلام الوثاثقية، حين سأله أحدهم عن نظرته إلى تجنيد العسكرية الأمريكية الراهن لعلماء الأناسة، أي الانثروبولوجيا، وعلماء الاجتماع والنفس في حروبها في العراق وأفغانستان، “إن تجنيد هؤلاء العلماء يبدو أكثر الأسلحة فتكاً ضد ثقافات الشعوب التي نحتل أراضيها . إنها أشد فتكاً من بنادق F-16s ودبابات .M-1 ونحن نرى كيف تفعل فعلها ضد هنود بلادنا، سكان البلاد الأصليين . أنت بحاجة إلى معرفة شعب قبل أن تقرر ماذا يمكن أن يفسده، ما الذي يمكن استخدامه لإرباكه وتقسيمه وقهره .
لأن أقوى دفاع ضد الاحتلال هو شعب موحد ذو جذور ثقافية راسخة” ويضيف صانع الأفلام هذا “يمكن لبلد أن يعيد بناء نفسه بعد غزو، إلا أنه من الصعب بمكان أن يعاد بناء ثقافة بعد أن يتم غزوها” .
ما يصفه هذا الأمريكي ليس أمراً طارئاً على أساليب حرب عرفها المفكر الجزائري “مالك بن نبي” باسم “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، وأعطاها الروائي الكيني “ نغوجي واثيونغو” الاسم الدقيق: استعمار العقل . ولكن ما لم ينكشف على نطاق واسع حتى الآن هو إن هذا التوصيف ينطبق عن جبهة صراع خفية، بأشخاصها وأدواتها وأهدافها، لا تلمس مفاعيلها إلا قلة نادرة في بلادنا، وبخاصة في فلسطين التي لم تصبها نكبة احتلال الأرض وتشريد أصحابها فقط، بل أصابتها نكبة احتلال العقل أيضاً، أو ما أصبح يصطلح عليه الآن من وجهة نظر المستعمرين باسم “كسب القلوب والعقول” .
قبل سنوات قلت لأحد الفلسطينيين المتحمسين لمشروعات مساومة العدو الصهيوني، إن الأخطر من إقامة مستعمرة على الأرض هو إقامة مستعمرة في الدماغ، ولم يفهم هذا المتحمس مغزى قولي إلا بعد عقود طويلة حين رأى عيانا كيف إن قيادته لم تعد ترى في التعاون مع المحتل شيناً، بل ولا ترى معنى للاعتراض على إسهام مقاوليها في بناء المستعمرات الصهيونية ومدها بالإسمنت لإقامة الجدران حول مدننا وقرانا ومصادرة أراضينا، أو تشكيلها لفرق مرتزقة تطارد الفلسطيني المقاوم . بل وتخوض معركة إرهاب فكري ضد كل من يفكر بأن هناك لاجئين من حقهم العودة إلى وطنهم، وأن هناك بلداً اسمه فلسطين تم احتلاله في العام ،1948 وأن هناك كرامة للغتنا وثقافتنا وأرضنا وإنساننا يجب استردادها .
هل اشتغلت فرق باحثين وعلماء عن ثقافة الفلسطيني وحاولت تدمير مقوماته الثقافية واجتثاثه من عمق حضارته العربية وإلقائه في الفراغ؟ من يتأمل في السنوات الأربعين الماضية يلمس كيف انتسجت محاولات تضليل العقول، بل واستعمارها، وتعددت الصور التمثيلية التي قدمت فيها قضية فلسطين إعلامياً وسياسياً واجتماعياً، وتضاءلت خريطة فلسطين شيئاً فشيئاً، وصولاً إلى إطلاق اسم فلسطين على قطعة أرض تسمى الضفة الغربية وقطاع غزة، واختفى من الخطاب السياسي “الرسمي” بعد صفقة أوسلو في العام 1992 جوهر القضية الفلسطينية؛ أي استعمار فلسطين واقتلاع شعبها من مدنه وقراه على امتداد الساحل الفلسطيني .
وأتذكر جيداً، ومنذ وقت مبكر في سبعينات القرن الماضي، كيف إن سياسياً فلسطينياً كان يغضب ويحتج حين كنا نستخدم تعبير “فلسطين المحتلة” بدل تعبيره العزيز على قلبه دائماً، “الأرض المحتلة”، لأن التعبير الأخير يعني تحديداً الأرض التي احتلها الصهاينة بعد العام ،1967 وينفي صفة الاحتلال عن مدننا الفلسطينية مثل “حيفا” و”ويافا” و”عكا” و”الناصرة”، ويمهد الطريق للتسليم للكيان الاستعماري بما اغتصبه (80%)، وبما سيغتصبه من أرضنا الفلسطينية .
في هذا اليوم العظيم، يوم 15 آيار قبل أيام قليلة، عادت فلسطين إلى الحياة، واقتلع الفلسطينيون والعرب، مع اقتلاع الأسلاك الشائكة على الحدود، أو تعميدها بالدم في “الجولان” و”مارون الراس” و”ومعبر بيت حانون” وأزقة القدس، بقايا الصور التمثيلية المضللة . صورة فلسطين “الضفة والقطاع” وصورة “الجالية الفلسطينية المهاجرة” وصورة “إسرائيل الكلية القدرة” . . وكلها صور اجتهد خبراء الحرب النفسية ومقاولو بناء المستعمرات من فلسطينيين وعرب وفضائيات الصهاينة الناطقة بالعربية لتثبيتها في العقلية العربية .
وصف أحد الإعلاميين هذا اليوم العظيم بأنه عودة إلى الينابيع، وجاء هذا الوصف دقيقاً . لأن اكتشاف أي شعب لوحدته وهدفه، وتلمسه لجوهر صراعه مع عدوه، يعني عودته إلى معناه الضائع طيلة أكثر من أربعين عاماً بين خطابات سياسية وشعرية وروائية ظلت تصرخ به “أنت وحدك” . . “أنت وحدك”، وهي تسعى إلى فصله عن هويته العربية الأكبر، وصولاً إلى فصله حتى عن هويته الفلسطينية الأصغر، وتحويله إلى منتجعِ كلأ وماء حول أطراف المستعمرات الصهيونية، أو إلى حطّابٍ وسقّاء في طرقاتها إن أراد ضمان لقمة عيشه وعيش أطفاله .
معنى الفلسطيني، الضائع في هذه الخطابات البذيئة، خطابات منتجعي الكلأ والماء، لم يكن ضائعاً في ترانيم الأمهات واشتياق الآباء وخطابات وكتابات الأوفياء للإنسان فيهم وفي شعبهم . ولم يكن ليضيع في ثقافة ومخيلة الجيل الثاني والثالث والرابع، سواء من ظل منه في المخيمات وقد التصقت بلحمه الأسلاك، أو من طوحت به النكبات في الجهات الأربع . أعني إن الينابيع التي غذت الفلسطيني، صبياً وشاباً وكهلاً، لم تستطع هذه الأضاليل محوها أو طمس الطرقات إليها . والسبب لا يحتاج اكتشافه إلى عناء؛ إنه الدم الفلسطيني الذي سال على هذه الأرض وظل يسيل طيلة أكثر من قرن من الزمان . السماسرة والصيارفة الذين يعدون خسائرهم وأرباحهم بمعيار الأرصدة النقدية لا يفهمون كيف إن “الدم ينتصر على السيف”، و”إن الكف يقاوم المخرز”، لأنهم وإن تمثلوا “سياسيين” أو “مفكرين” أو “قيادات”، أعجز من أن يدركوا إن دم الشهداء هو الذي يمد عروق الشعب والأمة بالدم ويمنع تصلبها جيلاً بعد جيل.
ثقافة الشهادة والشهداء هي ما تعمل أجهزة المخابرات، وأطرافها من علماء اجتماع وأناسة ونفس، على تدميرها، وهي ما يعمل إعلاميو فضائيات الصهاينة الناطقة بالعربية على تسخيفها والسخرية منها، فيستبدلون لفظة “القتيل” بلفظة “الشهيد”، ويستبدلون “لفظة” “إسرائيل” بلفظة “فلسطين”، ويفتحون شاشاتهم للصهاينة حتى آخر نفس، بينما يسدونها أمام الأحرار من فلسطينيين وعرب وأجانب، حتى يظل فصل الخطاب بيد الصهيوني وحطابيه والسقاة على أبوابه .
نحن إذاً أمام تشويه ثقافة، وأمام استعمار عقول بمفاهيم لا تعلق لها بجوهر قضايانا . مفاهيم مثل ضرورة “الحوار بين الأديان”، أو “ضرورة الانفتاح على الآخر”، وكأن احتلال وطن وتشريد وطن نجم عن خلاف رجال دين حول جنس الملائكة، لاعن امتداد السطوة الاستعمارية إلى ثروات ومقدرات شعوبنا، وكأن الغزاة القادمين من وراء البحار للسطو على أرضنا مجرد أناس قادمين للتعارف .
حين انتصرت المقاومة اللبنانية على جيش المستعمرين الصهاينة في جنوب لبنان في تموز ،2006 فهمت كيف إن دم الإمام الحسين الذي سفح في كربلاء قبل ما يقارب 1400 عام انتصر فعلاً على الدم، وظل يتدفق في شرايين الأمة قرناً بعد آخر، يمنع تصلبها، ويمنع خذلانها، ويمدها بالحياة، لتعود وتبدأ عصر انتصاراتها في العام 2006 .
هذه ثقافة يبذل الآن خبراء الصراع الفكري، القابع بعضهم وراء الكواليس أو المجند بعضهم في طرقات مدننا المحتلة، جهوداً متعددة الاتجاهات لمحوها أو تشويهها إن لم يستطيعوا اجتثاثها . وما نراه ونسمعه من إشاعات تشيع الكراهية والنفور بين مكونات المجتمعات العربية والإسلامية، وما نقرأه من تحليلات مراكز أبحاث غربية، ترافقها معارك بين مذاهب أو أديان، ليست سوى رأس طاف لجبل من عمل دائب لإفقاد الإنسان العربي، وليس الفلسطيني فقط، الاتجاه والمعنى، وإفقاده الثقة بنفسه وذاكرته ومحيطه العربي والإسلامي .