|
|
أيلول الآخر
خيري منصـور
* دار الخليج
قد تجد ذكرى الحادي عشر من أيلول في أمريكا وربما في العالم كله ما ينافسها إعلامياً وهو موعد إعلان الدولة الفلسطينية الذي أصبح الآن متداولاً على صعيد الميديا الكونية، ويكتب عنه المحللون والمراقبون “الإسرائيليون” في الصحف العبرية ما يجزم بأنه قادم لا محالة، ليس فقط بسبب عدد دول العالم التي اعترفت بهذه الدولة حتى الآن وهو عدد لا يستهان به إطلاقاً، بل لأن مجمل الأحداث في المنطقة وانعكاساتها على المصالحة الفلسطينية تبدو كما لو أنها تمهيد لهذا الحدث .
وفي مقالة بوعز غنور نشرت في “هآرتس” قبل أيام قليلة ينصح هذا الكتاب “إسرائيل” بأن تسارع إلى تشكيل حكومة تكنوقراطية من الخبراء،
ويقول لنتنياهو لا أحد ينتظرك بعد الآن حتى لو كنت متفرغاً لإعادة إنتاج خطابك المحفوظ عن السلام . ورغم أن الكاتب في “هآرتس” يرى أن مسارعة محمود عباس إلى المصالحة مع حماس هي بمثابة إجراء وقائي في عالم عربي لم تعد النظم السياسية فيه تنعم ببوليصات تأمين سياسية تضمن لها البقاء، إلا أن ماهو أهم من ذلك في رأيه هو عجز حكومة نتنياهو عن التناغم مع المزاج الدولي السائد الآن . فساركوزي مثلاً يضيف فرنسا بكل ثقلها إلى منظومة الدول المعترفة بفلسطين كدولة مرشحة للإعلان، وكذلك أوباما بعد أن أنجز من وجهة نظر أمريكية ما يتيح له أن يعطي رصيداً لموقفه النظري من الدولة الفلسطينية كشرط لا فكاك منه للسلام . إن ما يكتب الآن ضد حكومة نتنياهو في “إسرائيل” يراوح بين محورين، أولهما الخطاب الجامد والمعلب والليكودي الذي لا يراعي مسألة انتهاء الصلاحية السياسية لهذا الخطاب أو ما يماثله، وثانيهما أن حصيلة الدول التي اعترفت بالدولة وما سوف يتبعها أيضاً في غضون الأشهر القادمة قد خلق مناخاً دولياً بنكهة مختلفة، فمادام هناك إقرار واعتراف بالتغيير وإسناد عبر مختلف الوسائل لمن يطالبون به سواء كانوا عرباً أو غير عرب . فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها في مأزق إذا شهرت الفيتو في وجه هذا الإعصار الدولي، وإذ كان هناك ما يعصف بنظم وأفكار في الشرق الأوسط بإسناد دولي فلماذا تبقى تل أبيب هي الاستثناء؟ على الأقل من حيث الخطاب الراديكالي المضاد للسلام، بل البارع في اختراع معوقات له .
قرائن عديدة توحي إن لم تكن تجزم بأن يناير/كانون الثاني عام 2012 سيشهد عالماً مختلفاً إلى حد ما، وقد يودع أنظمة وحكومات لكنه سوف يستقبل أخرى، وما سعت إليه “إسرائيل” أخيراً وهو معاقبة الفلسطينيين على المصالحة أوضح للعالم أمراً لم يعد يقبل أي التباس، وهو أن خوفها من حماس قد تحول إلى ذريعة ضد أية مصالحة بينها وبين السلطة في رام الله، خصوصاً إذا أعادت العزف مجدداً على الوتر القديم ذاته وهو أن الانتخابات الفلسطينية قد تتيح لحماس أن تطفو مرة أخرى على السطح وأن تكتسب شرعية محظورة “إسرائيلياً”، حسب التصنيفات والخانات المكرسة لما سمي الإرهاب .
وثمة من يرى أن أي ربيع عربي هو بالضرورة خريف “إسرائيلي”، لكن هذا يتطلب منا إعادة تعريف ما يجري من حراك في الواقع العربي، وهو قد يكون متجانساً من حيث الشعار، لكن السؤال هو حول عدم تجانس المواقف الإقليمية والدولية منه .
وبانتظار أيلول المقبل، وما سوف يجري في هذه الشهور الأربعة الحاسمة .