يا نهار
حبيب الصايغ
* دار الخليـج
حنانيك يا نهار . كن معي لا ضدي . معنا لا ضدنا، والتف علينا بدفئك وكأنك ليل . لقد خلقت، عكس الليل، للسعي والمعاش، وها أنت، كلما طلعت شمس جديدة، تتسلل إلى النوافذ، وتتسلل إلى الأفئدة باعثاً فيها الصحو واليقظة .
مرادفات كثيرة يمكن أن تتبع . النهوض مثلاً . الاتقاد والتوهج والدخول في حالة عامة وخاصة معاً من التألق والإشعاع . أيها النهار يا علامة يوم جديد، أتت في الوقت نفسه، علامة غد جديد . النهارات في تواليها لا تؤسس الوقت فقط، وإنما الفكر أيضاً، والفكر يؤسس، وينطلق إلى نتائج مذهلة عبر محاولات الكائن الصعود إلى النادر في الشفق والهاجس والمصير .
حنانيك يا نهار، وادخل علينا، قليلاً قليلاً . ألق التحية ذاهباً يا سيدي إلى التواضع . تخلّ عن مشيتك الطاووسية، ولا تنقطع عن كبربائك . اعتدادك دليل، فلا تخلط بين التكبر والكبرياء . لك يا نهار في القلوب منازلك منذ القرون الأولى . لك، بالتأكيد، ذكرياتك وأمنياتك . لك أناشيدك الخاصة المطوقة بموسيقا الكينونة المتحققة بالرغم من العواصف المحيطة المحدقة من كل صوب، والمتربصة كلص محترف أو يكاد . لك يا نهار، منذ الصباح الباكر، بل منذ العمر الباكر، باقات الورود المزدحمة بعطر السنين، وهدايا أعياد الميلاد الأثيرة . لك يا نهار خلاصات التجارب، ونهايات القصص والروايات .
لك عنصر المعنى مختزلاً وعصياً على الشرح . لك الحداثة والتقليد . لك العادات والتقاليد، ولك أخلاق الأجداد والأحفاد . لك يا نهار آثار حوافر الخيل المنحوتة على صفحات الفتوحات المقبلة . لك يا نهار بذور التقاويم، وأحلام أجيال ماتزال وراء الغيب . لك يا نهار احتشاد الأبجديات واللغات وهي تحاول ترجمة تحية الصباح إلى لغتك الدارجة، لعلك تفهم من دون إطلاق المزيد من أسئلتك وطيورك . أنت النهار فهلاّ تدربت منذ الآن على تمارين الصباح من غير كل ذلك الضجيج ووجع الرأس .
البندول ليس الحل دائماً، ولا المسكنات، ولا حتى العمليات الجراحية . مواجهتك هي الحل الأفضل، ولن نخشاك، نحن العزل، أيها المدجج بالأسرار والألغاز والأسلحة .