كأنه قطع الحياة على رؤوس أصابعه
شوقـي بزيع
* دار الخليج
نادراً ما انتبه أحد من المثقفين اللبنانيين، والعرب على وجه العموم، إذا ما كان فؤاد رفقة مازال على قيد الحياة أم أنه رحل في غفلة من الزمن . فقد بدا صاحب “عودة المراكب” وكأنه قد قطع الحياة على رؤوس أصابعه لكيلا يزعج أحداً من أصدقائه أو المحيطين به، ولابد أن يكون هذا شأنه مع الموت الذي داهمه بشكل مباغت إثر مرض خبيث تمكن من جسده المهيض بسرعة قياسية . وخلال حياته التي أتمت العقود الثمانية لم يؤثر عن الشاعر دخوله في معمعان المعارك الثقافية والشخصية التي ظل الآخرون يخوضونها من دون كلل، ولم يعرف عنه تهالكه على الشهرة والنجومية التي تعهدها سواه بالرعاية والدأب الطويلين . كأنه بذلك كائن مصنوع من خفر وتبتل وزهد بكل ما يلمع بشكل خلبي فوق سطوح العالم .
حين اختار فؤاد رفقة أن يترك قريته “الكفرون” الواقعة على تخوم الساحل الغربي لوطنه سوريا ويجيء مبكراً إلى لبنان إنما كان يستجيب لنداء الحرية العميق الذي عصف برأسه في وقت مبكر حيث بيروت وحدها تملك الرقية الشافية من الضجر والتأسن وتكلس اللغة، ولم يكن وحده الذي تنكب هذا الخيار بين الشعراء السوريين . فمثله فعل نزار قباني وأدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط بما يؤكد أن المعنى الذي صنعته بيروت لم يكن حكراً على اللبنانيين وحدهم بقدر ما أسهم في صياغته تضافر المبدعين لإقامة تلك اليوتوبيا الأرضية الموعودة التي وجدت ضالتها في العاصمة اللبنانية الموزعة بالتساوي بين القصيدة واللعنة، بين القيامات والزلازل .
لم يكن من السهل على فؤاد رفقة أن يجد لنفسه موطئ قدم راسخاً وسط كوكبة المبدعين الذين نهضوا بأعباء مجلة “شعر” في الثلث الأخير من خمسينات القرن الماضي . فالكبار الذين أحاطوا به امتلك كل منهم بصمته الخاصة في ذلك الزمن أو عمل على امتلاكها بسرعة قياسية . وإذ راح يوسف الخال، الأب المؤسس ذو الكاريزما الفريدة، يبحث عن ضالته ومرجعياته في الأدب الأنكلوفوني كما في المصادر الدينية والقديمة، اتجه أنسي الحاج نحو ثقافة فرنكوفونية مطعمة بلغة العهد القديم، وبخاصة في نشيد الإنشاد، في حين زاوج أدونيس بين الإطلالة الواضحة على الشعر الفرنسي ممثلاً في سان جون بيرس على وجه الخصوص وبين استلهام روح الفحولة الذكورية لأبي تمام والمتنبي من جهة والنزوع نحو عالم التصوف ومناخاته التأويلية العميقة من جهة أخرى . أما شوقي أبو شقرا ومحمد الماغوط فقد ذهبا بدورهما في اتجاهين متغايرين، حيث راح الأول يستعيد لغة الريف اللبناني في براءتها الطفولية ومفارقاتها التخيلية، في حين قدم الثاني لقصيدة النثر العربية أحد أجمل اقتراحاتها التعبيرية التي تربط اللغة بالحياة المعيشة داخل مناخ استعاري وتشبيهي قل نظيره في شعرنا المعاصر .
لم يشأ فؤاد رفقة وسط هذه المروحة المتلاطمة من الأساليب أن يكون صدى لأحد سواه، وعمل ما في وسعه لاجتراح قصيدة مغايرة تخرج الشعر من دائرة الغناء الرخو والإفاضة الإنشادية والإنشائية وتحقنه بأمصال الفكر والمعرفة والمشروع الوجودي الرؤيوي، ولقد عثر صاحب “علامات الزمن الأخير” على ضالته تلك في الشعر الألماني الذي أزال إلى حد بعيد الفوارق بينه وبين الفلسفة وبنى مملكته فوق أرض الأسئلة المؤرقة والتقصي المعرفي، وقد تكون المنحة الدراسية التي أتاحت للشاعر إنجاز أطروحته الجامعية في ألمانيا قد دفعته بشكل حاسم إلى التصادي مع الشعرية الألمانية ممثلة على وجه الخصوص في غوته وريلكه ونوفاليس وهلدرلن الذين حرص رفقة على نقل معظم أعمالهم إلى العربية بإتقان باهر ولغة طيعة، ومن يتأمل في أعمال الشاعر ونتاجه الغزير لابد أن يلفته جنوح قصائده إلى الاختزال والدقة واستلهام الرموز التاريخية والأسطورية، إلا أن هذه القصائد ظلت بمعظمها تفتقر إلى الدينامية والدفء والتوهج الداخلي وتقترب من الكدح الذهني والتصميم البلاغي والتأليف البارد . ولعل شعر البدايات التفعيلي عند رفقة كان أكثر تلقائية وحيوية واتصالاً بالقلب من أعماله الشعرية المتأخرة .
قد يختلف الكثيرون، أخيراً، حول إنجاز فؤاد رفقة الإبداعي والمساحة التي يحتلها شعره في إطار الحداثة العربية، ولكن الجميع يتفقون حول فرادة ترجماته وقوة تأثيرها في الأجيال التي تبعته، والجميع يتفقون أيضاً حول حضوره الأثيري وتواضعه النادر وإخلاصه لمشروعه الإبداعي والثقافي إلى حد التبتل، كما حول عبوره الخفيف والشفاف من الطفولة إلى الموت .