|
|
العنــوان
حبيب الصايغ
* دار الخليــج
يتهدم العنوان حين يتكئ على النص، ويتبعثر النص وكأنه لص في ليلة قمرية حين يستند إلى العنوان باعتباره السقف أو الباب أو النافذة أو الظل . العنوان أقرب من الدليل وأبعد عن نجمة اقتفاء الأثر . العنوان منذ أقدم العصور التفاتة الطلل كلما حانت ساعة وداع، وكلما فز القلب في ذروة صحرائه . ليس مظلة، فالعنوان سماء . ليس قطرة مطر ولا غيمة . العنوان مناخ . ليس لعبة معنى . العنوان ادعاء لكن له ما يبرره . ليس لعبة شكل . العنوان جوهر جواني وإن ظهر على السطح وكأنه نتوء مهيأ للاستئصال . العنوان كتابة القلب بدم القلب . شريان صغير يكبر ويتوسع مع القراءة . أبجدية ناقصة ولا تكتمل . العنوان فردوس مفقود أبداً . العنوان نكوص عن المطلق وإلى المطلق . العنوان بداية كل بداية ونهاية كل نهاية .
ولا يبتسم العنوان كلما التبس على المتلقي، لكنه يقهقه قهقهة عالية إلى درجة تثير الشفقة . ثم ينسحب، في هدوء يشبه الضجر، إلى كواليسه وكوابيسه . قاس، حاد، وخشن هو . يتفاءل حيناً، لكنه أميل إلى اليأس في معظم الأحيان، ويمسك به الشاعر خصوصاً متخيلاً أنه عثر على كنز، لكن سرعان ما يطير عنوان الشاعر بعيداً، ويطير معه رأسه، ويتدحرجان على سطح القمر وكأنهما جنيان مهملان منذ مبتدأ النسيان .
العنوان الرئيسي . العنوان الفرعي . المانشيت . العنوان ورقم الهاتف المتحرك . عنوان الوطن . عنوان المرحلة . العنوان والاسم الثلاثي . العنوان وتاريخ الميلاد . وعنوان المهد والبيت والقبر . عنوان الحياة والموت . العنوان مجرداً أو محدداً . العنوان داخل الأسوار وخارجها . العنوان في المحاولة المستمرة وفي الفجأة المستمرة . الشارع خصوصاً الخلفي . الساحة خصوصاً المنحنية على أضلع الناس . الميدان خصوصاً المكتظ بالناس . العنوان المزدحم أو المفرغ من مضمونه . العنوان قاتلاً ومقتولاً . العنوان جلاداً وضحية . العنوان سؤالاً وجواباً وبين بين . العنوان حين يفتتح الأرض الشاسعة، والعنوان المختزل في بطاقة .
العنوان على ظرف صغير إلى جانب طابع صغير، ويحاول الوصول منذ سنوات، ويسأل إشارات المرور، ويستوقف المارة وسائقي التاكسي، وحين يهطل الظلام كل ليلة، يجلس، القرفصاء، على الرصيف، ويغمض عينيه، وينتظر .