|
|
هويّات مُلتبسة
خيـري منصــور
* دار الخليــج
لم يكن سؤال الهوية ذات يوم كما هو الآن لأن الحقبة التاريخية التي بدأت مع نهاية الحرب الباردة التي لا نعرف إلى متى ستستمر شهدت انقلابات وزلازل كونية عدة وكأن ما كان مُدّخراً ومؤجلاً لزمن طويل انفجر دفعة واحدة بعد أن عثر على مساحة هشة من الأرض، وما كتب حتى الآن خلال العقدين الماضيين عن الهوية كان يراوح بين سؤال الهوية وجودياً وقومياً وبين كونها خانقة أو مبتورة أو قاتلة . ولكل واحدة من هذه الصفات بعدها التاريخي والثقافي، وإذا كان الفرنسي من أصل عربي لبناني الروائي أمين معلوف قد سمى الهويات المتصارعة بأنها قاتلة فإن الإيراني داريوش رأى فيها من الاحتقانات الثقافية والإيديولوجية ما يرشحها لأن تكون مرجعية للصراع، ويمكن لأي راصد لهواجس الهوية في أيامنا أن يضيف إلى ما قاله داريوش ومعلوف وآخرون أشكالاً أخرى من الهويات، ومنها الهوية الملتبسة، والهوية الجريحة التي تناضل في سبيل استعادة عافيتها، والالتباس عندما يتعلق بالهوية يتجاوز السجالات كلها إلى تلك النقطة أو الجذر الذي تنامت عليه عناصر الهوية، وما يقوله معلوف مثلاً يقدم وصفة علاجية لعصاب الهوية، فهو لا يجد تناقضاً بين كونه لبنانياً وعربياً وفرنسياً ومسيحياً ومسلماً، ما دام التعايش بين الثقافات ممكناً وهو البديل الأعلى والأجدى لما سماه هانتجتون صراع الحضارات .
وربما كانت معالجة المفكر الروسي إسحق دويتشر للهوية اليهودية من المحاولات المبكرة لنبش هذا الملف، الذي سُكت عنه طويلاً لأسباب عديدة منها الغلاف أو السقف الفولاذي للدولة القومية التي ما إن يعتريها الضعف حتى يتاح للهاجع فيها من الهويات أن يعلن عن نفسه بدءاً من إحياء الفولكلور حتى الكيانية السياسية .
وحين كتب دويتشر كتابه “اليهودي اللايهودي” أثار جملة من الأسئلة، منها ما أغضب الجنرالات في الدولة الصهيونية، لهذا يفضلون ترك هذا الملف في أدراجهم، لأنه يثير سجالاً غير مألوف العواقب بين اليهود داخل فلسطين وخارجها وبالتحديد اللوبي اليهودي في أمريكا، لأن بعض التعريفات للهوية اليهودية تطرد اليهود الذين يعيشون خارج فلسطين من دائرتها .
ومواجهة سؤال الهوية تتطلب شجاعة في قراءة التاريخ كما هو، وليس من خلال إسقاطات أو تفكير رغائبي يعيد إنتاج الماضي لحساب الحاضر وتلبية لأهداف طارئة .
وإذا كانت الهوية العربية واحدة من أندر الهويات في العالم التي لا تشكو من التباس فإن ما يُثار الآن حول الأقليات التي عاشت في كنف الحضارة العربية الإسلامية وأسهمت فيها يخرج عن السياق التاريخي إلى السياق الإيديولوجي، وقد يتطلب هذا الخروج قراءة عوراء للتاريخ برمته، بحيث تبدو هذه الهوية الناضجة كما لو أنها من قائمة الهويات النيئة أو ما تسمى هويات تحت المطرقة .
إن أسوأ سؤال حول الهوية هو ذلك الذي يؤسس على الإقصاء، بحيث تحلّ هوية مكان أخرى بعد طردها أو محاولة حذفها، رغم أن مثل هذا الحذف ليس ممكناً حتى لو استخدمت القوة لتحقيقه، فما إن تزول هذه القوة أو تضعف قليلاً حتى يعود كل شيء إلى ما كان عليه .
قد يضم عنوان الهويات الملتبسة التي تحتاج إلى فك اشتباك ثقافي وسياسي عدداً من الهويات الطارئة في عالمنا، لكن الهوية العربية تبقى خارج هذه القائمة وقد تكون مصابة بجرح هنا أو هناك، لكن فائض عافيتها يُسرع في التئامها .