|
|
الثورة ليست حِرفْة
خســري منصـور
* دار الخليــج
ثلاثة أمكنة لا تصلح للإقامة الدائمة، أولها المتحف الذي يزار بين وقت وآخر، وثانيها الطريق أو المسافة، حيث لابد للإنسان أن يصل إلى نهايتها أو يضطر إلى العودة ثانية إلى أولها، وثالث هذه الأمكنة الميادين والساحات التي تشهد مظاهرات أو حراكاً سياسياً .
وإذا أصبح أي من هذه الأمكنة الثلاثة صالحاً للإقامة، فإنه يفقد دلالاته ورمزيته ويتحول إلى مكان مألوف ويومي .
والثورة بمختلف أشكالها ليست حِرفْة بحيث لا يمكن لإنسان ما أن يعيش حياته كلها وهو يصرخ من أجل هدف ما، لهذا فإن مصطلح الثورة المستمرة أو الدائمة وجد على الدوام من أساء فهمه، وتصور أن المقصود بهذا المصطلح البقاء في حالة من التوتر بين الماضي الذي لم يسقط والمستقبل الذي لم يُقبل . فالثورة عندما تتحول إلى نظام ومن ثَم إلى دولة، تصبح مطالبة بمواجهة المؤجل من مشكلات حياتية ذات صلة مباشرة بالحاجات الأساسية للناس في تصريف حياتهم اليومية . ولا يشبه الإقامة في الثورة إلا الإقامة في قصيدة مثلاً، وهذا بحد ذاته أمر غير منطقي، فالإنسان لا يقضي عمره وهو يحلم فقط، إذ لابد من توفير مجالات ميدانية وحيوية لتحقيق الأحلام أو ما تيسر منها .
والثورة أيضاً ليست قناعاً جميلاً ومزخرفاً للبطالة، بحيث تتحول إلى ذريعة للتوقف عن العمل والإنتاج . إنها بعكس ذلك تماماً، خصوصاً إذا استطاعت أن تفكك الإرادة من الأسر، وتتيح للأفراد جميعاً أن يجربوا قدراتهم في المجالات التي يودون الإسهام فيها .
لكن حالات الاستنقاع عندما تطول وتصبح البطالة السياسية وباء مُزمناً، فإن هذا قد يتسبب في الإفراط في هجاء الماضي وتصوير اللحظة الراهنة كما لو أنها اليوتوبيا المحررة من الشقاء والعذابات! وحركات التغيير التي أبهظت نفسها بالوعود بمعزل عن الممكنات، غالباً ما انتهت إلى إحباط .
وما من متحف أو مدرسة أو مسجد تحولت إلى أمكنة للإقامة إلا في أزمنة النزوح الجماعي والزلازل، لأن المكان عندما يكون ذا خصائص وممهوراً برسالة تاريخية، يتحول إلى زمان، ويُفرز بمرور الوقت هيبته وطقوس التعامل معه، ولا يشذ عن هذه القاعدة ميدان أو ساحة يتحولان إلى رمز للعصيان، فإذا مكث الناس فيهما طوال الوقت، يفقدان الدلالة التاريخية والسياسية ويتحولان إلى أسواق أو ساحات مأهولة بالناس لا أكثر ولا أقل .
ويبدو أن هناك خيطاً دقيقاً يفصل بين الشيء ونقيضه، خصوصاً إذا كان هذا النقيض، كما صوره المثل العربي القائل، إن ما يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، وهذا المثل الذي يرقى إلى مستوى الحكمة يرسم الحدود بدقة بين الاعتدال والتطرف، وبين ماهو قابل للصرف وماهو ممنوع من الصرف، بحيث يبقى مجرد شعار تعجيزي .
وهنا نتذكر ما قاله الشاعر الباقي محمود درويش غداة إعلان بيان الاستقلال في الجزائر، فقد قال، ما أكبر الفكرة . . ما أصغر الدولة، لكن الفكرة ليست خارج جاذبية الواقع ومدار الحياة، كما أن الدولة ليست مجرد تسمية بلا محتوى أو مضمون، لأن لها أقانيمها وشروطها وقابليتها للديمومة .
إن الابن البكر لأي تغيير هو مضاعفة الإنتاج تعويضاً عمّا فات، فالتغيير ليس بديلاً للحياة أو تسويغاً للبطالة .