|
|
خطابان لا يَلْتقيان
خيري منصــور
* دار الخليــج
لا شأن لأنيشتاين ونظريته النسبية بهذين الخطين المتوازيين واللذين لا يلتقيان، فهما من التاريخ لا من فيزياء الكون، ولكل منهما جذوره الغائرة في الزمن، خطاب برغماتي أو ذرائعي، لخصه ميكافيلي في كتابه “الأمير”، والآخر تراجيدي، وصفه مؤرخ قال إن شُحنة الشعر هي من صلب التاريخ بأنه النصف الثالث لهذا التاريخ الذي لا يقبل التصنيف في خانات الربح والخسارة، وإن كان لا بد من خانة ثالثة فهي الخسارة الظافرة، مقابل الربح الخاسر .
بالطبع لا يروق للساسة الذين بررت غاياتهم الوسائل خطاب إنساني يرى أن الدم أغلى من أي سائل آخر وأن الدمع الذي تذرفه الضحية لا التماسيح هو الأنقى حتى من الماس الحرّ، ويبدو أن هذين الخطابين قد نبعا ذات يوم من مصدرين متباعدين بل على طرفي نقيض، ولا يمكن لهما أن يتماسا أو يقترب أحدهما من الآخر، وقد يكون هذا هو السبب الأساسي لسوء التفاهم بين من يريد الوصول إلى هدفه بأي ثمن وبين من يريد أن يحول حياته إلى شهادة على ما يرى ويسمع، لأنه إذا فوّت على نفسه هذه الفرصة فسوف يفوّت شيئاً ثميناً وغير قابل للتعويض إلى الأبد، وهذا بالضبط ما قاله سارتر بإشفاق مشوب بالاشمئزاز الأخلاقي من الكاتب فلوبير الذي أدار ظهره لأحداث عصره .
وحين يتحاور طرفان يمثلان هذين الخطين أو الخطابين سيكون من قبيل الثرثرة العقيمة كل ما يصدر بينهما بشأن الالتقاء في منتصف المسافة، فالبرغماتي يتورط بالتوغل في المزيد من برغماتيته، ويسيل لعابه على الربح سواء كان مادياً أو معنوياً، بخلاف التراجيدي الذي تتضاعف راديكاليته كلما أحس بأن هناك من يساومه على هدفه الذي عاش من أجله وقرر أن يموت من أجله أيضاً .
لكن هل معنى ذلك أن أحد الخطابين عليه أن يتنازل للآخر ويذوب ويندمج فيه؟
بالتأكيد لا، فالتاريخ إذا اقتصر على بُعد واحد يصبح داجناً ويفقد حِراكه وجدليته، لهذا ينسب إلى واحد من أبرز فلاسفة أوروبا في القرن التاسع عشر أنه قال “علينا أن نكون ضد أفلاطون مع أرسطو” و”ضد أرسطو مع أفلاطون كي يستمر التاريخ”، وسواء قيل هذا الكلام أو لم يُقل فالحقيقة هي كذلك، ما دام هناك على الدوام ثنائيات تتصارع، بدءاً من ثنائية المجرم والقاضي حتى ثنائية الظلام والنور، ففي هذا الصراع تتجلى الدراما البشرية كلها، لأن الإنسان ليس ملاكاً وليس شيطاناً، كما أنه ليس مجرد راقص على حبل بين الاثنين كما وصفه زرادشت .
إن من حق المعتدى عليه والذي يشعر بجرح عميق في كبريائه الشخصي أو القومي أن يمضي حتى النهاية في الخطاب التراجيدي وليس من حق الذرائعي أو تلميذ ميكافيلي النجيب أن يلومه على ذلك، فالإنسان أدرى بشعاب روحه وحقوقه وجراحه، لهذا يحسن البرغماتيون فعلاً إذا اقتصرت مواقفهم على ما يرونه مناسباً لمصالحهم، شرط ألا يتحولوا إلى واعظين، كي يفرضوا على الآخر الجريح والمعتدى على حقوقه أن يصعد إلى قاربهم ويذهب معهم طائعاً إلى الشاطئ الذي يريدون .
خطابان، أو خطان، أحدهما بالأحمر والآخر بالرمادي، تعايشا رغم التناقض لأن التاريخ دائماً له وجهان .