تسلمين حبوبه على الطرح
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سبيل النجاة من شؤم المعصية
د.محمد بن عبدالله الدويش
لمن فاته الجزء الاول..
النجاة من شؤم المعصية[1]
التوبة النصوح الصادقة:
الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده وهو عز وجل عليم بهم وبطباعهم: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). [الملك: 14]. لقد علم الله سبحانه أن الناس بشر مهما بلغوا من التقوى والصلاح والورع فلابد أن يقارفوا بعض ما حرم عز وجل.
ولهذا فتح الله لعباده باب التوبة ودعاهم إليها: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). [النور: 31].
والحديث - أخي الكريم - عن التوبة طويل وقد أسهب فيها أهل العلم، لكن أشير لك إشارات عاجلة مما أرى أنك تحتاج للتذكير بها.
• أولاً: فرح الرب بتوبة عبده:
فالأمر لا يقف عند حد الدعوة إلى التوبة والوعد بقبولها والحث عليها ؛ وهو وحده كاف للمسلم في حثه ودفعه لها، لكن الله عز وجل يحب توبة العبد ويفرح بها.
ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح". [رواه البخاري 6309، ومسلم 2747 من حديث أنس. ومن حديث ابن مسعود، ورواه مسلم من حديث البراء، ومن حديث النعمان بن بشير، والترمذي من حديث أبي هريرة].
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -: "فما الظن بمحبوب لك تحبه حباً شديداً أسره عدوك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب، ويعرضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسك وتربيتك، ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد، فلم يفجأك إلا وهو على بابك يتملقك، ويترضّاك، ويستعينك، ويمرغ خديه على تراب أعتابك. فكيف يكون فرحك به وقد اختصصته لنفسك، ورضيته لقربك، وآثرته على سواه؟!. هذا ولست الذي أوجدته وخلقته، وأسبغت عليه نعمك، والله عز وجل هو الذي أوجد عبده وخلقه وكونه، وأسبغ عليه نعمه؛ وهو يحب أن يتمها عليه فيصير مظهراً لنعمه، قابلاً لها، شاكراً لها، محباً لوليها، مطيعاً له عابداً له، معادياً لعدوه، مبغضاً له، عاصياً له". [مدارج السالكين 1/ 237238].
وما أجمل تلك الحكاية التي ساقها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين حيث قال: "وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده. فرأى في بعض السكك باباً قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً. فوجد الباب مرتجاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدى، أين تذهب عنى؟!. ومن يؤيك سواي؟!. ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟!. ثم أخذته ودخلت. فتأمل قول الأم: لا تحملنى بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها".
وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟!.
فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه.
فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفوا عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان ". [مدارج السالكين 1/ 235236].
• ثانياً: بادر المعصية بالتوبة:
حين تقع في المعصية وتلم بها فبادر بالتوبة وسارع إليها، وإياك والتسويف والتأجيل. فالأعمار بيد الله عز وجل، وما يدريك لو قد دعيت للرحيل فأجبت النداء، وودعت الدنيا وقدمت على مولاك مذنباً عاصياً.
ثم إن التسويف والتأجيل قد يكون مدعاة لاستمراء الذنب والرضا بالمعصية، ولئن كنت الآن تملك الدافع للتوبة وتحمل الوازع عن المعصية فقد يأتيك وقت تبحث فيه عن هذا الدافع وتستحث هذا الوازع فلا يجيبك.
لقد كان العارفون بالله عز وجل يعدون تأخير التوبة ذنباً آخر ينبغي أن يتوبوا منه. قال العلامة ابن القيم: "منها أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرضٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبةٌ أخرى وهي توبته من تأخير التوبة، وقل أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التوبةُ من تأخير التوبة". [مدارج السالكين 1/ 297].
• ثالثاً: تذلل بين يدي مولاك:
يدرك أغلب العصاة أنه واقع في معصية الله، وأن التوبة فرض عليه؛ لكن من منهم يقدر الله حق قدره، ويخشاه، ويتذلل بين يديه؟!.
وعجباً لنا نمتع أنفسنا بلذة المعاصي وشهواتها وننغمس في أوحالها، وبعد ذلك لا تزيد توبتنا أن تكون استغفاراً باللسان، ونحن غافلون سادرون. ومن ثم فالتائب ما لم يلازم محراب الإنابة، ويسلك سبيل الخاشعين، ويخبت لمولاه؛ فليعد النظر في صدق توبته.
وهو جانب أنى لابن القيم رحمه الله أن يغفله لذا فقد قال: "ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضاً: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب، ولا تحصل بجوع ولا رياضة، ولا حب مجرد إنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبد آبق من سيده، فأخذ فأحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بداً، ولاعنه غناءً، ولا منه مهرباً، وعلم أن حياته، وسعادته، وفلاحه، ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده، وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه، وقوة سيده، وذله وعز سيده. فيجتمع من هذه الأحوال كسرة، وذل وخضوع ما أنفعها للعبد، وما أجدى عائدها عليه، وما أعظم جبره بها، وما أقربه بها من سيده. فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة، والخضوع، والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال " أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني، وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
يا من ألوذ به فيما أأمله
ومن أعوذ به فيما أحاذره
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره
ولا يهيضون عظماً أنت جابره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته، وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، وما أسهلها باللسان والدعوى، وما عالج الصادق شيئاً أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله". أهـ. [مدارج السالكين 1/ 207208].
إذا تكرر الذنب فكرر التوبة
قد يقع الشاب في الذنب فيندم ويتوب ويقلع، ثم يتكرر منه الذنب فيتوب وهكذا. فيتساءل حينئذ ألي توبة بعد ذلك؟!. ويتكئ الشيطان على هذا الضعف ليقنعه بالتخلي عن التوبة وأنه رجل غير جاد.
لكنه حين يتفكر في نفسه جاداً فسيقول: الذنب الأول مضى وتبت منه، وهذا ذنب أخر فأتوب منه، وخير لي أن أموت على توبة من أن أموت وأنا مصر على الذنب.
وفى السنة النبوية ما يؤيد هذا المعنى. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبداً أصاب ذنباً - وربما قال: أذنب ذنباً - فقال: رب أذنبتُ ذنباً - وربما قال: أصبتُ - فاغفر، فقال ربه: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي!. ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً - أو أذنب ذنباً- فقال: رب أذنبت-أو أصبت آخر، فاغفره، فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي!. ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً - وربما قال أصاب ذنباً - فقال: رب أصبت- أو قال: أذنبت- آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي! – ثلاثاً - فليعمل ما شاء". [رواه البخاري 7507، ومسلم 2758].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، أحدنا يذنب!، قال: يكتب عليه.
قال: ثم يستغفر منه ويتوب. قال: يغفر له ويُتاب عليه.
قال: فيعود فيذنب. قال يكتب عليه.
قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويُتاب عليه.
قال فيعود فيذنب. قال: "يكتب عليه ولا يمل الله حتى تملوا". [رواه الحاكم 4/ 285، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه،". ووافقه الذهبي. وأخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع 10/ 200، وقال: إسناده حسن].
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: "خياركم كل مُفَتًّن تواب.
قيل: فإن عاد؟!.
قال: يستغفر الله ويتوب.
قيل: فإن عاد؟!.
قال: يستغفر الله ويتوب.
قيل: حتى متى؟!. قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور".
وقيل للحسن: "ألا يستحي أحدنا من ربه؛ يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر، ثم يعود؟! فقال: ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا من الاستغفار".
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - في خطبته: "أيها الناس، من ألمَّ بذنب فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها".
بل وهذا المعنى داخل تحت قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). [آل عمران: 135]. وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ). [الأعراف: 201].
وقال النعمان بن بشير في قوله: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). [البقرة: 195]: "يقول: إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة، ولا يقولن لا توبة لي، ولكن ليستغفر الله وليتب إليه، فإن الله غفور رحيم". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7092].
وعن البراء: وقال له رجل: "يا أبا عمارة: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). [البقرة195]. أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!.
قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفره الله لي". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7093].
وقال سعيد بن المسيب في قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً). [الإسراء: 25]. قال: "هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب". [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7095، وابن جرير 15/ 69].
وقال عطاء بن يسار في هذه الآية: "يذنب العبد ثم يتوب فيتوب الله عليه، ثم يذنب فيتوب فيتوبُ الله عليه، ثم يذنب الثالثة فإن تاب تابَ الله عليه توبة لا تُمحى". [رواه ابن جرير 15/ 71].
وعن وهب بن جرير عن أبيه قال: "كنت جالساً عند الحسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب.
قال: لم يزدد بتوبته من الله إلا دنوا.
قال ثم عاد في ذنبه ثم تاب!.
قال لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله...
ثم ذكر حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ). [الأعراف: 201]. [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7096].
فارق دواعي المعصية
أخي الشاب:
لعلك تدرك من تجربتك وحياتك الشخصية أن المعصية ليست نبتة مجتثة في العراء، بل لها أسباب ومثيرات ومقدمات. وحين تكون أخي الكريم جاداً في التخلي عن المعصية ومفارقتها فإن إغلاق الأبواب وسد المنافذ هي أقصر الطرق إلى مفارقة المعصية.
وهذا المعنى هو الذي فطن إليه من قيل عنه إنه أعلم أهل الأرض حين سأله الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وكمل بالراهب المائة، فقال له هذا العالم: "نعم ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء". [رواه البخاري 3470، ومسلم 2766].
لقد كان هذا العالم ربانياً ومفتياً بحق، فهو لم يكتف بإخباره أن له توبة بل دله على الطريق الموصل لها. وأدرك هذا العالم أن الرجل لو بقي في بلده وقريته فسوف يعود إلى معصيته، وأنه لا يمكن أن يتخلى عن المعصية إلا حين يتخلى عن قريته ويفارقها.
قال ابن حجر رحمه الله: "وفيه فضل التحول من الأرض التي يصيب فيها الإنسان المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكّره لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضّه عليه، ولهذا قال له الأخير: ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء.
ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها، والانشغال بغيرها". [فتح الباري 6/ 18، 5175].
ولست أخي بحاجة حين تتوب من معصيتك إلى أن تفارق بلدك -وإلا ستبقى رحالة ظاعناً لا تقيم- ولكن الحازم الحصيف حين يشعر أن معصية من المعاصي تراوده الفينة بعد الفينة يفكر في نفسه ملياً، ويتأمل ما الأسباب والعوامل التي توقعني في هذه المعصية.
إن كانت صحبة فلان من الناس واللقاء معه فلأفارقه قدر ما أستطيع. وإن كانت الخلوة والوحدة فلأجتنبها وأقلل منها ما أمكنني ذلك. وإن كانت الخروج للسوق، أو رؤية مشهد في التلفاز، أو قراءة في مجلة. فرغبتي في ترك المعصية ينبغي أن تولد عندي ترك ذلك أولاً.
وإن كان تفكيري في المعصية هو الشرارة التي تشعل فيَّ نارها، فلأجتنب هذا التفكير وأشتغل بما هو أولى منه.
أخي الكريم:
النفس فيها دواع للمعصية، ونوازع للشهوة، وتمر بها أوقات غفلة وضعف وفترة. فما لم تأخذها بالحزم وتبعدها عن مواطن المعصية أوشكت أن تغلبك.
أرأيت لو أن رجلا يمسك بزمام دابة وهى ترى المرعى أمامها ألا تنازعه إليه وربما غلبته على نفسه، وأنه لو نأى بها كان أسلم له.
ولهذا يوصي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالبعد عن أبواب المعصية وطرقها فيقول لهم: "إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، مالنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟!. قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". [رواه البخاري 6229، ومسلم 2121].
فتأمل - رحمك الله - لما كان الجلوس في الطريق سبباً للوقوع في المخالفة والمعصية نهاهم عن الجلوس في الطريق ابتداءاً.
وقد ذكر صلى الله عليه وسلم أن من علل هذا النهي إطلاق النظر إلى ما حرم الله. فهو صلى الله عليه وسلم يخاطب أصحابه أهل الورع والبعد عن الحرام، ومع ذلك فأسواق المدينة لم يكن فيها ذاك التبرج والسفور بل كانت المرأة حين تجوز في الطريق تلتصق بالحائط مع تسترها وحيائها. فعن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق. فكانت المرأة تلتصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به". [رواه أبو داود 5272. ومعنى تحققن: أي: تركبن حقها، وهو وسطها].
فإذا كان هذا واقع الناس، وذاك واقع الرجال من البعد عن المعصية، ومع ذلك ينهون عن أبوابها وطرقها؛ فكيف بحالنا نحن أهل الجرأة على المعصية وأسواقنا مليئة بالتبرج والسفور؟!.
وهذا عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه يدرك هذا المعنى وأنه لا بد من الحزم مع النفس وإغلاق المنافذ والأبواب فحين بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقتل أباه جاء إليه قائلاً: "يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله فقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نترفّق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا". [سيرة ابن هشام 3/ 238. وانظر: مرويات غزوة بني المصطلق 190، 195].
قال الفقهاء ولأجل هذا المعنى حكم الشرع بتغريب الزاني عن بلده سنة ليفارق موطن المعصية، وما يدعوه لها.
دوام الاستغفار
ومما شرع الله سبحانه لعباده وحثهم عليه دوام استغفاره عز وجل. وهو هدي أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
قال عن نوح: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً). [نوح: 28].
وحين سأل الله أن ينجي ابنه عد هذا السؤال مما يوجب الاستغفار بل خشي من الخسران!: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ). [هود: 47].
وموسى عليه السلام يقول: (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). [القصص: 16].
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). [الأعراف: 151].
(إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ* وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ). [الأعراف: 155- 156].
وإبراهيم - عليه السلام - يقول راجيا مغفرة مولاه، معدداً أفضاله عليه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ). [الشعراء: 78- 82].
ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ). [إبراهيم: 41].
ويتساءل المسلم وهو يقرأ هذه الآيات:
وأي خطيئة ارتكبها خليل الله؟!.
وما تلك الذنوب التي تجرأ عليها أنبياؤه صلوات الله وسلامه عليهم؟!.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فله شأن مع الاستغفار عظيم سيأتي فيما نستقبل من الحديث.
أحوال الاستغفار:
الاستغفار طلب للمغفرة من الله واعتراف بالذنب والتقصير وهو يشرع في أحوال ومواضع منها:
• أولاً: عند الذنب:
وهو من آكد المواضع فهو هنا اعتراف بالذنب وأمارة على التوبة وسؤال لله أن يمحو أثره ويغسل درنه. وحين عصى أدم ربه قال وزوجه: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [الأعراف: 23].
وحين قتل موسى رجلاً لم يؤمر بقتله قال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). [القصص: 16].
ويونس حين ذهب مغاضباً وغادر قومه قال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). [الأنبياء: 78].
وقال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً). [النساء: 110]. (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ). [آل عمران: 135].
وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: "يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن التوبة من الذنب الندمُ والاستغفارُ". [رواه أحمد 6/ 264].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو على قلبه، وهو الرّان الذي ذكر اللهُ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). [المطففين: 14]". [رواه أحمد 2/ 297، والترمذي 3334، وابن ماجة 4244 وغيرهم].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبداً أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت فاغفره. فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي.
ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً. فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي.
ثم أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت آخر فاغفر لي. قال: علم عبدي أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". [رواه البخاري 7507، ومسلم 2758، وأحمد 2/ 296].
• ثانياً: بعد الطاعة:
وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". [رواه مسلم 591].
وبعد الفراغ من الحج يأمر الله عباده بالاستغفار: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). [البقرة: 200].
وبعد الفراغ من الوضوء يشرع أن يقول "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
وبعد الفراغ من قيام الليل وصف الله عباده بذلك فقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ). [آل عمران: 17].
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في خاتمة دعوته لدين الله ومجاهدته في سبيله بالاستغفار: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً). [سورة النصر]
قال ابن القيم رحمه الله: "وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده". [مدارج السالكين 1/ 195].
• ثالثاً: في الأذكار اليومية الراتبة:
فأدعية الصلاة كثيراً ما يرد فيها الاستغفار. في دعاء الاستفتاح وبين السجدتين، وفي الركوع، وفي السجود.
وحين سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاءً يدعو به في الصلاة أمره أن يقول: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". [رواه أحمد 1/ 7 والبخاري 834، ومسلم 2705].
فها أنت ترى أنه ما من موضع يشرع فيه الدعاء في الصلاة إلا ويشرع فيه الاستغفار.
وفي أذكار الصباح والمساء يشرع أن يدعو بسيد الاستغفار. فـ "من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو مؤمن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة". [رواه أحمد والبخاري 6306 من حديث شداد بن أوس].
• رابعاً: مداومة الاستغفار كل وقت وحين:
وهذا هدي راتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فعن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليغانّ على قلبي. وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". [رواه مسلم 2702].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة". [رواه البخاري 6307].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ربِّ اغفر لي وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم". [رواه أبو داود 1516، والترمذي 3434، وقال: حسن صحيح].
وفي كثير من الأدعية التي كان يدعو بها صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله المغفرة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ). [النصر: 1]. إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". [رواه البخاري 4967، ومسلم 484].
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني.
اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي.
اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير". [رواه البخاري 6398، ومسلم 2719].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". [رواه البخاري 1120، ومسلم 769].
يالله، ماذا جنت هذه النفس الطاهرة؟!.
وأيّ خطيئة أسرها وأعلنها، وقدمها وأخرها؟!.
ولئن كان صلى الله عليه وسلم وهو الذي غفر له ما تقدم وما تأخر وعلا ذكره وارتفعت درجته يستغفر الله في اليوم مائة مرة، بل في المجلس الواحد، فكيف بنا معشر المخلِّطين المذنبين المقصرين؟!.
أخي الكريم:
أما والاستغفار بهذه المكانة والمنزلة فجدير بنا أن لا يفارقنا في مجلس أو مقام، وأن تلهج ألسنتنا بالاستغفار والتوبة كل وقت وكل حين، وأن نسعى للمحافظة على ما ورد من الأدعية الراتبة ونستحضر ونحن ندعو بها ذنوبنا وتقصيرنا في جنب الله.
والاستغفار الذي يترك أثره في النفس، ويؤدي مقصوده، هو الذي يواطيء القلب فيه اللسان؛ إذ هو أمارة التوبة والإقلاع، وشعورٌ بالذنب والخطيئة. فحري بنا أخي الكريم أن تلهج قلوبنا قبل ألستنا بالاستغفار والندم.
والاستغفار أخي الكريم أمرٌ يعجب الرب عز وجل.
فعن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربك يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري". [رواه أبو داود 2602، والترمذي 3446، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
وعند الحاكم من حديث علي رضي الله عنه " إن الله ليعجب من العبد إذا قال: لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: عبدي عرف أن له رباً يغفر ويعاقب". [أخرجه الحاكم في المستدرك].
دوام الاستغفار
ومما شرع الله سبحانه لعباده وحثهم عليه دوام استغفاره عز وجل. وهو هدي أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
قال عن نوح: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً). [نوح: 28].
وحين سأل الله أن ينجي ابنه عد هذا السؤال مما يوجب الاستغفار بل خشي من الخسران!: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ). [هود: 47].
وموسى عليه السلام يقول: (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). [القصص: 16].
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). [الأعراف: 151].
(إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ* وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ). [الأعراف: 155- 156].
وإبراهيم - عليه السلام - يقول راجيا مغفرة مولاه، معدداً أفضاله عليه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ). [الشعراء: 78- 82].
ويقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ). [إبراهيم: 41].
ويتساءل المسلم وهو يقرأ هذه الآيات:
وأي خطيئة ارتكبها خليل الله؟!.
وما تلك الذنوب التي تجرأ عليها أنبياؤه صلوات الله وسلامه عليهم؟!.
أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فله شأن مع الاستغفار عظيم سيأتي فيما نستقبل من الحديث.
أحوال الاستغفار:
الاستغفار طلب للمغفرة من الله واعتراف بالذنب والتقصير وهو يشرع في أحوال ومواضع منها:
• أولاً: عند الذنب:
وهو من آكد المواضع فهو هنا اعتراف بالذنب وأمارة على التوبة وسؤال لله أن يمحو أثره ويغسل درنه. وحين عصى أدم ربه قال وزوجه: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [الأعراف: 23].
وحين قتل موسى رجلاً لم يؤمر بقتله قال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). [القصص: 16].
ويونس حين ذهب مغاضباً وغادر قومه قال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). [الأنبياء: 78].
وقال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً). [النساء: 110]. (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ). [آل عمران: 135].
وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: "يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن التوبة من الذنب الندمُ والاستغفارُ". [رواه أحمد 6/ 264].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو على قلبه، وهو الرّان الذي ذكر اللهُ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). [المطففين: 14]". [رواه أحمد 2/ 297، والترمذي 3334، وابن ماجة 4244 وغيرهم].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبداً أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت فاغفره. فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي.
ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً. فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. غفرت لعبدي.
ثم أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت آخر فاغفر لي. قال: علم عبدي أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟!. قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". [رواه البخاري 7507، ومسلم 2758، وأحمد 2/ 296].
• ثانياً: بعد الطاعة:
وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". [رواه مسلم 591].
وبعد الفراغ من الحج يأمر الله عباده بالاستغفار: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). [البقرة: 200].
وبعد الفراغ من الوضوء يشرع أن يقول "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
وبعد الفراغ من قيام الليل وصف الله عباده بذلك فقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ). [آل عمران: 17].
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في خاتمة دعوته لدين الله ومجاهدته في سبيله بالاستغفار: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً). [سورة النصر]
قال ابن القيم رحمه الله: "وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده". [مدارج السالكين 1/ 195].
• ثالثاً: في الأذكار اليومية الراتبة:
فأدعية الصلاة كثيراً ما يرد فيها الاستغفار. في دعاء الاستفتاح وبين السجدتين، وفي الركوع، وفي السجود.
وحين سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاءً يدعو به في الصلاة أمره أن يقول: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". [رواه أحمد 1/ 7 والبخاري 834، ومسلم 2705].
فها أنت ترى أنه ما من موضع يشرع فيه الدعاء في الصلاة إلا ويشرع فيه الاستغفار.
وفي أذكار الصباح والمساء يشرع أن يدعو بسيد الاستغفار. فـ "من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو مؤمن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة". [رواه أحمد والبخاري 6306 من حديث شداد بن أوس].
• رابعاً: مداومة الاستغفار كل وقت وحين:
وهذا هدي راتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فعن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليغانّ على قلبي. وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". [رواه مسلم 2702].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة". [رواه البخاري 6307].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: ربِّ اغفر لي وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم". [رواه أبو داود 1516، والترمذي 3434، وقال: حسن صحيح].
وفي كثير من الأدعية التي كان يدعو بها صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله المغفرة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ). [النصر: 1]. إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". [رواه البخاري 4967، ومسلم 484].
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني.
اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي.
اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير". [رواه البخاري 6398، ومسلم 2719].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". [رواه البخاري 1120، ومسلم 769].
يالله، ماذا جنت هذه النفس الطاهرة؟!.
وأيّ خطيئة أسرها وأعلنها، وقدمها وأخرها؟!.
ولئن كان صلى الله عليه وسلم وهو الذي غفر له ما تقدم وما تأخر وعلا ذكره وارتفعت درجته يستغفر الله في اليوم مائة مرة، بل في المجلس الواحد، فكيف بنا معشر المخلِّطين المذنبين المقصرين؟!.
أخي الكريم:
أما والاستغفار بهذه المكانة والمنزلة فجدير بنا أن لا يفارقنا في مجلس أو مقام، وأن تلهج ألسنتنا بالاستغفار والتوبة كل وقت وكل حين، وأن نسعى للمحافظة على ما ورد من الأدعية الراتبة ونستحضر ونحن ندعو بها ذنوبنا وتقصيرنا في جنب الله.
والاستغفار الذي يترك أثره في النفس، ويؤدي مقصوده، هو الذي يواطيء القلب فيه اللسان؛ إذ هو أمارة التوبة والإقلاع، وشعورٌ بالذنب والخطيئة. فحري بنا أخي الكريم أن تلهج قلوبنا قبل ألستنا بالاستغفار والندم.
والاستغفار أخي الكريم أمرٌ يعجب الرب عز وجل.
فعن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربك يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري". [رواه أبو داود 2602، والترمذي 3446، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
وعند الحاكم من حديث علي رضي الله عنه " إن الله ليعجب من العبد إذا قال: لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: عبدي عرف أن له رباً يغفر ويعاقب". [أخرجه الحاكم في المستدرك].
تسلمين حبوبه على الطرح
[gdwl] [/gdwl][gdw
[/gdwl]