أسرى في أجسادهم

خيري منصــور

* دار الخليـج






تماماً كما يحدث للنمر في قفص ضيق أو للنسر في غرفة سقفها واطئ، حيث لا مجال حيوياً لتصريف الطاقة، هذا هو حال البشر عندما يحرمون من فتح أفواههم إلا عند التثاؤب، ومن مد أذرعهم لأنها ترتطم بالجدران، وأحياناً يصطاد القارئ من مذكرات حتى لو كانت سياسية مثل هذه اللحظات، ومن تلك المذكرات ما كتبه ريجيه دوبريه المثقف اليساري البارز والقريب إلى جيفارا وكاسترو قبل مصرع الأول وشيخوخة الثاني . فقد قضى دوبريه أعواماً في زنزانة، وقال إن أخطر ما في السجن هو تحديق السجين في مساحة لا تتجاوز خطوة أو اثنتين، وكأن الأرض كلها تضيق لتصبح بمساحة سرير أو قبر .


ما شعر به دوبريه هو ما يمكن للنسر أن يستشعره بالغريزة عندما يرتطم جناحاه بالسقف، وما يستشعره النمر وهو يروح ويغدو حتى الدوار والغثيان في قفص صغير . وأحياناً يكون الإنسان طليقاً، والفضاء فسيح أمامه، لكنه يشعر بأنه تقيد في مكانه أو أن حبلاً يربطه إلى وتد ما، بحيث ما إن يتجاوز المسموح به حتى يصحو على القيد وعندئذ تبدأ المراوحة .


والمجتمعات التي يستبد بها الخمول سواء كان ثقافياً أو اقتصادياً أو سياسياً يتحول أفرادها إلى نمور ونسور مقيدة، فالطاقة ممنوعة من الصرف، وعلى النهر أن يتحول إلى نافورة تسيل حول نفسها أو إلى شجرة لا تقوى على مغادرة جذورها إلا إذا خُلعت .


وهذا هو البعد المسكوت عنه سايكولوجياً وفلسفياً في الديمقراطية، فهي ليست كما يختزلها محترفو السياسة علاقة بين حاكم ومحكوم، إنها نسيج عضوي يمتد ليشمل التفاصيل كلها، والمحرومون منها هم أشبه بمن يحرمون فجأة من الهواء إذ يتحسسون على الفور ضرورته بسبب غيابه .


وتجليات الديمقراطية تربوياً وكمزاج اجتماعي عام تبدأ من روضة الأطفال والبيت ومجمل العلاقات الأسرية، بحيث يكتشف الطفل منذ بواكيره أن له رأياً يستحق أن يسمعه الآخرون وأن له الحق في القبول أو الرفض لما يطرح عليه، وحين ينشأ على هذه الثقافة يكون نموه داخلياً ونفسياً يتناغم مع نموه العضوي، وحين يحدث العكس يكون الخلل قد بدأ يتحول إلى خلل بنيوي، بحيث يصاب بالازدواجية أو الشيزوفرينيا، ولا يجهر بما يفكر به سراً، وأخيراً يفقد توازنه وثقته بنفسه ويتحول إلى مجرد رقم أصم في جداول الديمغرافيا .


إن أسوأ ما يمكن أن يفضي إليه فائض الطاقة لدى الفرد هو انقضاضه على ذاته، بحيث يبدأ بأكل نفسه وهو لا يدرك ذلك، وحين قال علماء النفس إن الرياضة بمختلف أشكالها هي المتنفس الصحي للطاقة، خصوصاً إذا فاضت واتجهت إلى العدوانية لامسوا جوهر المسألة، رغم أن من تبنوا هذا الرأي سرعان ما حولوا الرياضة ذاتها إلى تغذية لغرائز العدوان من خلال تهجير شحناتها وتوترها إلى مجالات أخرى لا علاقة للرياضة بها كالسياسة والصراعات الايديولوجية والإثنية .


كم من البشر يروحون ويغدون في الأقفاص كالنمور الأسيرة؟ أو كالنسور التي ترتطم أجنحتها بالزجاج والسقوف الواطئة؟ إنهم بالملايين إن لم يكونوا بالمليارات، فالإنسان حتى الآن لم يتحرر من مختلف أشكال القيود التي تحد من حريته وتحرمه من المجالات الحيوية للتعبير عن طاقته المصادرة .


لهذا فالحراك السياسي ليس سوى بعد واحد من حراك إنساني شامل له أبعاد أخرى مهملة كالإبداع والمغامرة وتجريب شهوة الاجتراح لآفاق مسدودة .