النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: «عرار».. فضاء الذات وقصيدة الحرية

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    «عرار».. فضاء الذات وقصيدة الحرية

     

    «عرار».. فضاء الذات وقصيدة الحرية



    * الدستور الاردنيــة






    هي نظرة صادقة، في مرآة الذات، المفردة أو الجمعية، تلك التي تحتاجها، حتى تطوف حولك روح مصطفى وهبي التل، النموذج الأكثر ألقاً، وقلقاً، في التجربة الشعرية الأردنية.

    «عرار»، الثائر على الراهن/ الساكن، والمواجه، بعناد، كل محاولات الاحتلال التي كانت تعصف في المنطقة، خلال النصف الأول من القرن الماضي، تلك المحاولات التي كانت تسعى لإعادة صياغة هويتنا الوطنية وفق مصالح خاصة، ولإنه كان إنساناً وشاعراً ملتزماً بشؤون أمته وشجونها، فـ «عرار» كان، وما زال يمثل الملاذ الأكثر طمأنينة ليس للشعراء فحسب، ولكن للمهمشين، والعشاق، والقابضين على جمر الهوية الجمعية. إنه قصيدة الذات المنفتحة على شجونها وشؤونها كافة، وقصيدة الحرية الملتزمة بقضاياها، مهما كان ثمن ذلك الالتزام غالياً.

    يمثّل «عرار» الشعر العربي في الأردن خلال النصف الأول من القرن العشرين من دون منازع، وقد ترك لنا سيرة حياة حافلة تنبض بالمواقف الشعرية من الحياة والوجود، وديواناً وسمه بـ «عشيات وادي اليابس»، يمكن أن يعثر على كثير من بذور الحداثة الشعرية فيه.

    ويعتبر بعض النقاد «عرارا» أول شاعر عربي حديث، اخترع نماذج عليا في الشعر وجعلها رموزاً لقضايا حيوية، إذ جعل من «الهبر» وهو شيخ غجري عرفه وصادقه نموذجا أعلى واعتبره رمزاً للإنسان البسيط الفقير المنبوذ المضطهد، وهاجم بأسلوبه المليء بالدعابة والسخرية، تلك القوى الاجتماعية المعادية التي تألبت على جعل حياة هؤلاء المعذبين في الأرض تعسة وخائبة المسعى، وكان نموذجه الأعلى الثاني هو «الشيخ عبود»، وقد جعله الشاعر رمزاً للتزمّت الديني.

    كما انطلقت الحركة الحداثية عند «عرار» من أرضية قوامها تجديد اللغة الشعرية بما يقربها من اللغة الحيّة التي تعيش على شفاه الناس وفي الحقيقة، فإن أيَّ متصفّح لديوانه لا يمكن له إلا أن يلحظ لغة تمتحُ مباشرة من معين اللغة الحيّة التي تعيش على أفواه الناس، لا من حيث ابتعادها عن استخدام المفردات التراثيّة المعجميّة التي خرجت من الاستعمال اليومي فحسب، بل في هجرها للطرق القديمة في صياغة الجملة وتركيب البنية التعبيريّة التي كان يعتبرها التقليديون شرطاً رئيساً من شروط الجزالة والفخامة في اللغة الشعرية.ومن الطبيعي أن يكون «عرار»، وقد توجّه نحو استعمال لغة الحياة اليومية، قد شعر بوطأة الإيقاع الرتيب الذي تولّده الأوزان التقليديّة، والذي يخلق حالةً من التنافر بينه وبين إيقاع العصر الذي يعيشه، واللغة التي يستعملها، والمشاعر التي تجيش في صدره، لذلك نراه يبتعد عن البحور الفخمة ذات الإيقاع الثقيل أو المتطاول، ويؤثر عليها البحور الخفيفة أو السريعة، وقد يعمد في كثير من الأحيان إلى التشطير والتجزيء كما يحاول أن يقتفي أثر الموشّحات. ويبدو أن ذلك كله لم يكن كافياً حيث عمد إلى البحث عن تشكيلات أخرى يوزّع فيها التفعيلات والقافية توزيعاً جديداً أكثر ملاءمة لإيقاع عصره وإيقاع روحه، لذلك نراه يكتب قصيدتين مثبتتين في ديوانه، الأولى بعنوان «متى» وهي مؤرّخة في الثامن من تشرين الثاني 1942، والثانية بعنوان «يا حلوة النظرة» وهي مؤرّخة في الثامن والعشرين من كانون الثاني 1942، وكلتاهما ينتهج الشاعر فيهما ما اصطلحنا على تسميته فيما بعد بقصيدة التفعيلة، أو الشعر الحر الذي زعمت الشاعرة نازك الملائكة ريادته عبر قصيدة «الكوليرا» التي كتبتها عام 1947 وهو ما أقرته الملائكة نفسها فيما بعدولعل خير ما نطا من خلاله على ذات «عرار»، في محاولة لفهما بطريقة أكثر «عرارية»، فإنه لنا أن نقرأ بعضا مما كتبه عرار نفسه في مقدمة ديوانه «عشيات وادي اليابس»، حيث يقول: «إنني رجل طروب، وإنني، في حياتي، أفلاطون الحقيقة، أبيقوري المذهب، خيامي المشرب، ديوجيني المسلك، وإن لي فلسفة خاصة هي مزيج من هذه المذاهب الفلسفية الأربع التي أتيت على ذكر أصحابها، فأنا أكيّف حياتي وفقا لمقتضيات هذه الفلسفة التي أبدعتها لنفسي».

    في صباح الرابع والعشرين من أيار 1949، فاضت روح الشاعر مصطفى وهبي التل إلى بارئها في عمان، ونقل جثمانه إلى إربد، مسقط رأسه، حيث دفن في تلها حسب وصيته التي تضمنتها قصيدته الشهيرة:

    «يا أردنيات إن أوديت مغترباً

    فانسجنها بأبي أنتنّ أكفاني

    وقلن للصحب: واروا بعض أعظمهِ

    في تل إربدَ أو في سفح شيحان».
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 1 - 6 - 2011 الساعة 10:44 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •