نشيد وأرقام
خيري منصـور
* دار الخليج
عدد المصطلحات التي استخدمت خلال العقود الماضية في سياق التفاعل العربي في النطاق القومي قد يتجاوز عدد الأقطار العربية، لكن قبل أن يضيف التقسيم الجديد بطبعة سايكسوبية منقّحة إليها عدداً آخر من الدول .
بدأ المطلب الشعبي بالتكامل ثم التكافل، مروراً بالتعاون والتضامن، وكانت هذه الأشواق القومية تقترن بما كان يسمى الأمن القومي العربي، وقد تناسلت هذه المصطلحات كتعويضٍ خجول عن مطلب الوحدة العربية الذي تحوّل من حلم إلى كابوس في بعض الأحيان، خصوصاً بعد أن تمددت أقطار بالقوة إلى أقطار أخرى .
وحين نراجع تلك المصطلحات نجد أنها مترادفة إلى حد بعيد، لكن على طريقة الأبجدية التي تعطي لكل مرادف دلالة، سواء في العمر أو الصفات، كما هو الحال في أسماء الجمل والغزال، ومن أطلقوا على الجمل مئتي اسم كما أحصاها ميشيل بوتور في أحد كتبه، قد يكررون هذا أو أضعافه على أسماء العلاقات التي يحلمون بتحقيقها بينهم . لكن ما كان مجرد نشيد وطني شامل أو أحلاماً شعبية تحول بفضل المتغيرات التي عصفت بهذا الكوكب في أعقاب الحرب الباردة إلى ضرورة ملحة، وحاجة للدفاع عن الذات، وكأن ما كان قبل هذه المتغيرات فرض كفاية أصبح فرض عين، لأن الدولة الحديثة تنبهت إلى أنها لا تستطيع حماية وجودها داخل شرنقة، لهذا التأمت سياقات اقتصادية وأخرى ثقافية في العالم، رغم أن العرب أولى بهذا، لأنهم ورثوا تلك الحكاية الشهيرة عن العصي التي لا تنكسر وهي حزمة لكنها تنكسر فرادى .
وكما قال برنارد شو ذات يوم بسخريته اللاذعة فإن الناس يثرثرون عما ينقصهم، ونادراً ما يستغرقون في الكلام عما يمارسونه فعلاً لأنه لا وقت لهذا الكلام، وما من شيء افتقده العرب المعاصرون تاريخياً والمعصورون اقتصادياً كمفردات الوحدة والتكامل والتعاون، سواء كان السبب في ذلك أطماع أعدائهم أو ما تمليه التحولات المحلية والتكاثر الديمغرافي من أسباب .
وإذا كان العالم المتقدم وفق التصنيفات الصناعية على الأقل قد تجاوز المعجم الرومانسي في ما يتعلق بالإخاء والتكامل والتعاون، فإن العرب لم يغادروا هذا المعجم، وبقي النشيد أعلى صوتاً من المونولوج الداخلي أو ما يدور من همس وحوار شبه صامت في دواخل النفوس . وحين نسمع الآن عن مبادرات متعاقبة أو متزامنة لتطوير رؤى الإعلام العربي لمواكبة العصر والتناغم مع إيقاعاته الجديدة، فإن ما يدهشنا هو أن هذه المبادرات لا تلتفت ولو قليلاً إلى الوراء، لمراجعة عقود عدة من التخثر الإعلامي وتداول خطاب مكرر منزوع الفاعلية والتأثير لفرط ما كان اللسان بعيداً عن القلب .
ولا يمكن لأي كائن أن يتجاوز الشروط التي تحاصره إذا لم يعد إلى الوراء قليلاً لنقد خطواته التي أوصلته إلى ما هو عليه الآن، لهذا فالمفارقة الصارخة هي أن من يتولون إنتاج رؤى جديدة للإعلام وأنماط التعبير هم أنفسهم من نتاج إعلام تقليدي، ما يضطرهم إلى استبدال المفردات والصياغات فقط، أما الجوهر فهو باقٍ على حاله . . هذا إضافة إلى أن بعض الفقهاء في هذا المجال يفسرون الماء بالماء لكن بعد أن يجهدوا أنفسهم ويُجهدوا الناس معهم .
إن ما صمد أمام الاختبار دائماً هو المصالح وليس الشعار أو الأشواق الرومانسية، لهذا علينا منذ الآن أن نخاطب بعضنا بلغة تكون الأرقام عنصراً غير هامشي فيها .