مسافات
حبيب الصايغ
* دار الخليـج
من أقصى الرأس إلى أقصى القلب . من ممرات ضيقة ولا تتسع إلا لعبور حلم أو وهم . من شرفات مستحيلة وتتشكل في الخاطر . من حتوف مطوقة بذكريات الزفاف . من ولادات منذورة لأعمار تتوارى وراء أعمار . من مصادفات مسكونة بمواعيد محققة وغير محققة . من أفراح ممزوجة، حتماً وحكماً، بأوجاع . من أسفار تحيط بها أسفار . من أباريق معلقة في عتمة معلقة . من أيام مؤجلة وتؤجل كلما تراكمت عليها السنوات . من كل ذلك، ومن أبعد منه وأدنى، تنادي المسافات على نفسها، وتتحاور، وتتجاور . تتحول وتتلاشى أو تكاد، ثم تعود إلى قوتها الأولى .
تتكور المسافات وتستطيل . تفضي الشوارع إلى الساحات . وقد تفضي الساحات إلى غيرها، وقد تفضي، كالدموع، إلى لا شيء . المعاني مقيدة إلى جذور الماء، وتذوب كأنها الجزر . تتبخر كأنها مواعيد القراصنة الأوائل مع النوم .
لا حدود للمسافات، ولا حدود لكلام المسافات . الكلام الطويل . الكلام الصعب، لكن السهل في الوقت نفسه . الكلام الفارق في أبعاده وأطره وعلامات استفهامه وتعجبه .
الكلام المتواطئ مع النوافذ القديمة المنسية . الكلام المتواطئ مع شعراء القصيدة الواحدة، والبيت الواحد، والنظرة الواحدة إلى نساء لا تفصلهن عن طفولتهن إلا مسافة ما بين الليلة وضحاها، وما بين طرفة العين وانتباهتها . مسافة تقدر في الحالتين بما بين عدة كيلومترات، وعدة ملليمترات .
لكن ماهي المسافة بين العقل والقلب، وبين النقطتين الأقصى في كليهما؟ نسبية هي المسافة في مثل هذا المقام، لكن العلمية أيضاً تستدعي تفعيل ذاكرة المسطرة . القياس بالشبر والذراع، وصولاً إلى معرفة تستطيع، أكثر من غيرها، قياس مسافة اليقين .
ولا مسافة مستقرة في الضمير . لا مسافات . لا احتمالات تسوق أهلها إلى الأمل .
أما الراعي فمازال يتشبث بخيالاته القديمة، وفي مسافة رؤية قطعان من الخراف، وقطعان من كائنات الخوف الطالعة .
لا مسافة للتقدم .
ولا مسافة للتراجع .
ولقد تعبت الأعناق من كثرة الالتفات، في زمن يشغل الوداع مسافته العظمى، ويتبادل فيه العقل والقلب دوري المفارق والطلل .