حزيران الأخير

خيري منصــور

* دار الخليج




يومها وفي تلك الظهيرة السوداء رغم سطوع الشمس، سئل قائد سلاح الجو في تل أبيب عن سر إبقائه مطارين لم تقصفهما الطائرات عند الفجر؟ فأجاب إن من حقه الاحتفاظ بمطار أو اثنين لاستراحته الشخصية، ويومها شعرنا جميعاً بأن الأرض توقفت عن الدوران، وكذلك التاريخ الذي أصبح ستة أيام فقط ولكنها ليست طباقاً .


بدءاً منه، ومن فحيح لياليه القاتمة حيث لم تكن الصحراء أكثر عرياً مما كانت، ولم يكن الزيتون مرّاً كما كان . أخذ العربي المكلوم في سويداء الروح والقلب معاً يشك في كل شيء بادئاً بنفسه، فكل الوعود التي سمعها طيلة عقدين فاصلين بين احتلالين كانت كما أحس عرقوبية .


ومن أخذوا زينتهم للعودة إلى يافا واللد في مخيمات الضفة والقطاع وجدوا أنفسهم للمرة الثانية في خيام، وكأن من وعدوهم بأن يعدوا لهم ما استطاعوا من رباط الخيل لم يعدوا لهم غير تلك الخيام، وتعاقبت الشكوك التي بلغت جوهر أمة ونخاعها فكتب من كتب عن النقد الذاتي وأعاد آخر كتاباً أصدره عام 1948 بعنوان “النكبة الثانية”، وكأن عشرين عاماً هي مجرد فاصل بين طبعتين، والفارق بينهما أن الأولى كانت مكرسة للجوء بينما حملت الثانية اسم النزوح .


لم تكن ستة أيام فقط، فثمة يوم سابع طويل لعله الأطول من ليل امرئ القيس وليلة المعري العمياء، عشناه عبر أجيال حتى الآن . وإذا كان الانجليزي يقول إن أيامه الرتيبة جعلته يحصيها بملاعق الشاي والقهوة فنحن أحصينا تلك الأيام العجاف بملاعق الملح وأحياناً الدم .


لكن الكيل على ما يبدو طفح، وتجاوز ذلك السيل المجنون الأحمر الزبى، فأعلن العربي بيانه الأول من التابوت قائلاً إنه تماوت كالبعير ولم يمت، وإن التاريخ لم يبدأ عام 1948 قبالة يافا عندما كانت سفينة يقودها قرصان تفرغ أول حمولة من البارود، لتغير اسم بلاد بكل تضاريسها الرسولية وقدسها وكرملها وخليلها وجليلها .


قد يكون هذا العام غير تلك التي سبقته وتكررت على الوتيرة ذاتها مجرد طقوس حداد موسمية بحثاً عن توازن وهمي، وأحياناً كان الخامس من يونيو/ حزيران أو الخامس من كل شهور العام مجرد يوم آخر .


لكن من قال إن الهزيمة حتى لو كانت حزيرانية الحجم والترددات لا تتحول إلى رافعة؟ فثمة شعوب عديدة أصبحت اليابان أمثولتها حولت الهزيمة إلى مرتكز للقفز، وهزمت هزيمتها بما استدعته من احتياطيها الاستراتيجي، بدءاً من طاقة التفكير حتى الجهد المضاعف في العمل .


لم يكن ذلك الحزيران اسماً حركياً لشهور السنة إلى الأبد، والأرجح أنه كان موعوداً بقيامة قومية، نحن آخر من توقعها أو تنبأ بها .