بين اللوحات قضى عمره، يرسم بقلبه ما استعصت على يديه فهمه، كانت لوحاته ناطقة
ووصفه يزيل القلق، يبحر في عالم من الأحاسيس الحقيقية التي يصعب على المرء فهم
بعض معانيها، كان هذا عالمه الخاص، عالم يترجم المشاعر إلى ألوان، ويحكي قصة
الواقع بصورة زيتية أو شمعية، ويفك أصعب الرموز بخط أسود عريض على المساحة
البيضاء التي لغيها من حياته، اشتهر هذا الفنان، وأصبح الجميع يأتونه وفي مخيلاتهم
صوراً، قصصاُ، واقعاً، يريدونه رسماً كي يعلّقوه على جباه جدرانهم، أو جدران قلوبهم.!
حين كان يرسم للناس، أو يرسم لنفسه بكثير من الألوان يوزعه على مسام الورق، كان
يخلع قلبه من جوفه، لأنه لا يستطيع أن يرسم تفاصيل عرس حضره الناس وأجنحة
الفرح تظللّهم، ثم بعد دقائق يرسم جنازة صبية احتضنها الموت وهي تقبل شفاه الحياة
ودموع المعزين في خرس مطلق.!
هو بقي كما هو، يرتدي هم الحزن بأناقة بالغة، يخلع قلبه ثم يعيده مكانه بعد انتهاء من
أعماله، تدهورت حالته الصحية كثيراً، أعلن للجميع أنه سيترك الرسم، أقيمت له حفلة
اعتزالية، حضره جمع غفير من محبي الرسم، هناك وقبل أن يلتقيَ بالناس طلب من أحد
المنظمين أن يختليَ بنفسه قليلاً، أدخله غرفة فارغة من البشر، جلس على كرسي وفتح
علبة الألوان، وبدأ يرسم لوجهه ملامح.!!