دفتـر صغيـر
حبيب الصايغ
* دار الخليج
في الطريق إلى السوق أو البحر . في الطريق إلى بابل أو الشمس، تتبعثر الذاكرة، ولا تتجمع من جديد إلا بعد دهر . عقد أو قرن أو ألفية أو نحو عشرة آلاف سنة ضوئية . شخصياً لا أعرف بالضبط موقعي . هل أنا في أول الطريق أو منتصفه، وكل ما أستطيع فعله الآن، التشبث بدفتري الأزرق الصغير الموضوع في جيبه، وتسجيل ما أشاء من ملاحظات عابرة . سوف أعود إلي ما أسجل، وقد فعلت، فماذا وجدت؟
دفاتر الجيب، أيضاً، على ما يبدو، تتكاثر . كيف أكون، أنا وحدي، من سجل كل هذه الكلمات في دفاتر الجيب الصغيرة . هل كنت قليل شغل إلى هذا الحد؟ . . ترى ما الذي أرغمني على تسجيل كل حركات يومي حتى التافه منها؟ . . منذ الصحو المبكر إلى النوم المتأخر، والقلم في يدي يكتب ويكتب، ولا يتعب أو يمل . يكتب كل شاردة وواردة، ويذهب بعيداً ويعود أو لا يعود . يسجل أرقام الهواتف وصناديق البريد في كوكب الأرض والمجرات القريبة . يكتب الشعر من كل نوع، والنثر من كل نوع، ويتجرأ فيرسم وينحت، ويتجرأ فيبني ويهدم . دفتر الجيب الصغير مشاغب حين يريد المشاغبة، ومن عاداته محو كلمات لا يحبها، أو شطبها بالقلم الرصاص أو بالقلم الحبر الجاف . هو يعمل ما يحلو له، وينظر إلى المسألة كلها باعتبارها لعبة مسلية، وكلما امتلأ الدفتر الصغير لا يموت، وإنما يحيا من جديد . ينبض في ركن الطاولة أو في الدرج . ينبض في الجيب أو في القلب، ويبث الحياة في ما حوله ومن حوله .
ليس أسطورة ولا رابع أو سابع المستحيلات . هو دفتر صغير فحسب . دفتر يكتسب قوته من قوة الكلمات، ويقف أمام بيته مزهواً . يتشقلب على الحبال كالبهلوان، ويخرج عن فمه كتل النار، وحين يأتي المساء يعود إلى درجه الأثير .
لا ينام الدفتر الصغير آخر الليل ولا يحلم، ويجلس، القرفصاء، خده اليمين على يده اليمين ويستعرض خراف الندم .