الحب بيننا وبين "مونتسكيو" و"أفلاطون"
محمود الباتع
* الرايـة القطـريـة
"لا يمكن للمرأة أن تكون جميلة إلا على صورة واحدة، لكنها تكون محبوبة على ألف صورة" .
يعود هذا القول إلى " شارل لوي دي سيكوندا" المعروف باسم "مونتسكيو" أحد أهم منظري الثورة الفرنسية وصاحب كتاب "روح القوانين" الذي خلد اسمه في دنيا الفكر بما فتحه من أبواب واسعة أمام مبدأ الفصل بين سلطات الدولة، وهو المبدأ الذي بات عماد الدولة القومية الحديثة لاحقاً.
وربما بسبب منبته الراقي وأصوله النبيلة وتعليمه العالي، فقد كان "مونسكيو" على النقيض من زميله "روسو"، حيث رفع من قيمة الأسرة وأعلى من شأن الحب الطاهر الشريف، وكان دائم الانتقاد لجملة من السلوكيات الاجتماعية الفرنسية ذات الصلة بإباحية العلاقات المفتوحة بين الرجال والنساء والتي سادت المجتمع الفرنسي عشية الثورة في بدايات وأواسط القرن الثامن عشر، فصاغ اعتراضاته تلك على شكل رواية يقال أنه أخذها عن قصة لكاتب يوناني مغمور كان عنوانها "معبد غنيد" أدان فيها الأخلاق المنحرفة للنساء اللواتي يقمن علاقات غرامية مع رجال غير أزواجهن، ولم يقدر لمثل هذا العمل الأدبي نصيب من الشهرة أو الانتشار كما كان من حظ مؤلفه الأشهر "روح القوانين".
لعل تأثر "روسو" بالإرث الأرسطي الكاره للنساء العائد لنشأته المضطربة الفاقدة للأمومة كان وراء موقفه المتعلق بالمرأة من حيث استبعادها تماماً ككائن أنساني من العناوين اللامعة التي أطلقها منادية بالحرية والعدل والمساواة، فكرست سطحيته ونفاقه كفيلسوف لصالح نبوغه وتميزه كأديب، بينما كان رفيق عصره "مونتسكيو" المتأمل الدائم لتطور التاريخ مستلهماً بدايات المسيرة الإنسانية في الحضارتين الإغريقية والرومانية، ويبدو جلياً تأثره بالفكر الأفلاطوني المثالي حول المدينة الفاضلة في مؤلفه الخالد "روح القوانين" الذي خطه في عشرين عاماً ورأى فيه أن لكل شيء في الحياة قوانين أساسها الفضيلة والعدالة، اللتين فهمهما ورآهما "مونتسكيو" في قداسة المنظومة الأسرية بين الأفراد من الجنسين وفي انضباط دولة القانون في ما يخص المؤسسات.
ولكن يا ترى كيف كان الشكل الذي ينبغي لقيم الفضيلة والعدالة بين رجل وامرأة ـ وبحسب أفلاطون ـ أن تكون عليه؟
ينقل عن أفلاطون في امتداحه للحب أنه قال إن الحب خالق كل الفنون، ومرسي السلام بين البشر وممطر الأرض بالخير والوداعة. ومع ذلك لم ينقل عنه قط في أية مناسبة أو حديث أنه امتدح الجنس بأية صورة من صوره أو إطار من أطره بشيء من التعاطف فضلاً عن الاحترام، فقد كانت أفكاره في هذا الصدد أقرب إلى الطهرانية المسيحية التي استبقها "أفلاطون" بأكثر من أربعة قرون، فقد رأى أن الاتصال الجنسي لا ينبغي أن يتم إلا في أضيق الحدود وبغرض الإنجاب وحسب وبأقل قدر ممكن من المتعة، في تناغم وانسجام مع موقفه الروحاني القاضي باحتقار الجسد بكامل أحاسيسه ولذاته، ومن هنا جاء مفهوم الحب الأفلاطوني الشهير المحتقر لحب الجسد الباحث عن سمو الأرواح المتحابة فيما بينها ضمن ذلك التآلف والاندماج المنزه عن كل من الرغبة والغرض، بعيدة عن خصائص الأجساد وأجناسها.
مع أن الشرق هو موطن الروح الأول وفيه جاءت معظم الروحانيات إن لم يكن جميعها شرقية المولد والنسب، بالرغم أن الشرق أولى بالروح من غيره فإن أهله لا زالوا غير قادرين على التصريح بمشاعرهم الروحية عندما توجد وعندما تتعلق تلك المشاعر بأحد أفراد الجنس المغاير، ذكراً كان أو أنثى ليستعاض عنها باستعارة مفردات أقر إلى الانتحال عن الأخوة والاعتزاز والاحترام، دون أدنى قدر من الشجاعة للاعتراف بالحب، مع أن الحب الطاهر العفيف السامي المنزه عن الحسية والجنسانية ليس إلا توصيفاً شديد الواقعية والصدق لما يشعر به كثير منا تجاه آخرين من جنس نغاير (دون تمييز لذكر أو أنثى) بل هو أكثر أمانة من طلاء تلك المشاعر بأصباغ غير واقعية من الأخوة أو البنوة أو الأبوة المستعارة في حين أن مفهوم العلاقة مع كل من هؤلاء محسوم ديناً وعرفاً وقانوناً، وكل القضية مع من ليسوا أياً منهم.
في ماهية ومفهوم لفظة مفردة الحب، ألا يحتاج منا الأمر نظرة لاتخاذ ما يلزم بما لا يتعدى عقل كل منا وضميره وأخلاقه لتقرير ما إذا كان الإشكالية لغوية أو اجتماعية أو أخلاقية دون أن نضطر لأن نخسر أياً من هذه المكونات.