|
|
الصهيونية في فصلها الخامس
خيري منصـور
* دار الخليـج
أنذر نتنياهو العرب بأن ربيعهم قد يتحول إلى شتاء، وأورد أسباباً عديدة، لكنها في نهاية المطاف جرد أغطية لما يتصدر أجندته الاستيطانية، لكن نتنياهو يتناسى أنه قد زج بنفسه وحكومته واليمين الذي يمثله إلى فصل خامس، ليس مدرجاً في تقاويم السنة، وهو أشبه بالفصل المتخيل الذي نفي إليه أوفيد الروماني، أو ما سماه أرتور رامبو فصلاً في الجحيم، لكن فصل نتنياهو يبقى من طراز آخر، ما دام يصر على المراوحة في مكان ما خارج التاريخ، ربما على تخوم أسطورة أنهى الزمان صلاحيتها، وربما في عصر لم يتبق منه غير مقتنيات المتاحف والأطلال، ولو كان الأمر بيده لأَقْصى العرب جميعاً خارج الجغرافيا، وسَجَنهم في خريف دائم وليس شتاء كما يقول .
فالدولة الصهيونية على اختلاف الأحزاب والمقتربات الاجرائية لا الاستراتيجية تدرك أن أفضل وضع مثالي بالنسبة لها هو بقاء العرب حيث هم، وحبّذا لو يعودون إلى الوراء، لأن بقاءهم على حالهم من التخثر والاستنقاع والمراوحة هو الشرط الأمثل لتفوق أعدائهم . لهذا ما إن يرمى حجر في هذه البئر حتى يتحسس نتنياهو ومن معه مواقع أقدامهم، فالأرض تحتها ليست صلبة، بل هي أكثر رخاوة من الفكرة الملفقة التي أرادوا من خلالها إعادة إنتاج التاريخ وإجراء جراحة قاسية وغليظة لتضاريس الجغرافيا .
قد لا يكون ربيع العرب المحلوم به زمناً طويلاً قد أزف بكامل خضرته وصفاء سماواته وعصافيره الملونة، لكن الربيع كما يقول الإنجليز تكفي سِنَوْنَوة واحدة للتبشير به .
إن للعرب ربيعاً دائماً لكنه جوفيّ وغير مرئي على سطح نهارهم الرمادي، هذا الربيع هو النسبة العظمى من سكان العالم العربي التي هي من الشباب، فالعالم العربي بخلاف أوروبا وغيرها من دول العالم المعاصر، لأنها تعاني من عدة شيخوخات ليس متوسط العمر إلا أحد مظاهرها، ومن يظن أن العرب كانوا عراة كأشجار التوت في خريف مزمن لعدة عقود أو حتى قرون يرتكب خطأين معاً، أولهما عدم درايته بشعاب هذا التاريخ والحراك المسكوت عنه والمحاصر في العالم العربي، فلا المثقفون الباقون على قيد عروبتهم وضمائرهم صمتوا، ولا الناس حتى البسطاء منهم توكلوا ولم يَعْقلِوا، وكان النزيف مستمراً من الخاصرات والأفواه الملجومة لعقود، ويشهد على ذلك بالدرجة الأولى ملفات حقوق الإنسان والمنظمات ذات العلاقة بكفاح الشعوب من أجل حريتها .
ونتنياهو قبل سواه يعرف أن الانتفاضات الفلسطينية المتواصلة والتي لا تقبل التحقيب إلى حلقات منفصلة لم تكن خريفاً أو شتاء، ويعرف أيضاً أن الشعوب العربية التي صرخت وتظاهرت بالملايين وتبرعت بالمال والدم، لم تكن هاجعة في خريف قومي، لهذا فتاريخ الخوف من ربيع عربي أو أي حراك ينقذ العرب من المراوحة بالنسبة للصهيونية ليس طارئاً ولم يبدأ من ساحات تونس والقاهرة وطرابلس وغيرها، ما دام الحبل على الجرار كما يُقال .
الرهان المتكرر بالنسبة لحكومة نتنياهو وما سبقها، وما سوف يعقبها هو على بقاء ثلث مليار عربي في حالة من التحنيط بحيث يتاح لأصحاب هذا الرهان كسب الوقت إلى النهاية، كما يتاح لسكينهم التوغل في جسد العالم العربي كقطعة من الزبدة، ولا يعوق السكين حتى نواة تمرة أو حبة زيتون .
العرب يعيشون كسائر البشر فصولهم الأربعة، لكن من ينذرهم بالشتاء يعيش وحده في فصل خامس خارج كل التقاويم .