«شجرة الحياة» التناقضات وفقدان البراءة في أميركا

* الثـورة السوريــة




منحت جائزة السعفة الذهبية في الدورة الرابعة والستين لمهرجان «كان» لفيلم «شجرة الحياة» The Tree Of Life
للمخرج الأميركي من أصل لبناني ترينس مالك «ولد في 30 كانون الأول 1943».‏

وهو كاتب سيناريو ومخرج وشخصية غامضة. خلق أسطورته الخاصة باعتباره متوحداً غير قابل للتواصل. وهو حاصل على درجة في الفلسفة من جامعة هارفارد، عمل أستاذاً في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، و قد نشر ترجمات مهمة لهيدغر.

إنه يحظى بسمعة في عزلته الساحرة وغموضه المحير، وأثار مع مواطنه أنيس سعيد الحديث عن مجموعة واسعة من المواضيع.. ولكنها ليست سينمائية. قبل أن يقوم بعمل فيلم وثائقي عن قصة ووكر بيرسي، في عام 1999.. ثم بعد ذلك بعام أنتج فيلماً وثائقياً آخر، حول أرنست شاكلتون المستكشف القطبي.‏‏

أفلام ترينس ماليك استكشاف للمواضيع الأميركية الكلاسيكية، امتلكت التناقضات وفقدان البراءة الذي لا مفر منه في بلد تاريخه حافل بكل من الصراعات العنيفة والتفاؤل الأبدي. مثل شخصياته، ماليك يبحث دائماً عن التفوق، وأفلامه جميلة مدهشة، تستحضر أيام السينما الصامتة. تميزت بدقة بلورية، وصور ماليك هي من بين الأكثر ثباتاً في الذاكرة في السينما الأميركية المعاصرة. كل واحد من أفلامه هو حدث كبير، وإطلاق سراح الأخير، شجرة الحياة، يقدم فرصة للنظر في أفلامه الأربعة، على الشاشة الكبيرة. أن تكون مصدر إلهام.‏‏

فيلم “شجرة الحياة” الذي حققه المخرج هو الخامس في مسيرته الإخراجية التي بدأت في أواسط السبعينات مع فيلم ‘’الأراضي الوعرة’’ «BAD LANDS» في العام 1973، بطولة مارتن شين وسيسي سباسيك. قصة ثلاثة شبان يحاولون الهروب من المدينة إلى الحياة في البراري. ثم ‘’أيام النعيم’’ DAYS OF HEAVEN في العام 1978 بطولة: ريتشارد غير، بروك آدامز، سام شيبارد، ليندا مانز، وتدور أحداثه حول شاب حاد المزاج يقنع المرأة التي يحب بأن تتزوج مالك المزرعة التي يعملون بها حتى يستطيعون الاستمتاع والحصول على ثروته، الرواية بواسطة أخت الشاب الصغيرة حيث نرى تأثير هذه الأحداث عليها مع مرور الوقت.

الفيلم مبهر بصرياً، طريقة تصوير المشاهد كانت رائعة وأضاف لهذه النقطة هو أن الفيلم تم تصويره في حقول للزراعة ومناطق مفتوحة، وزاوية التصوير المنخفضة والتي تعطي شعوراً باتساع المساحات وإضفاء خلفيات مليئة بالحياة. وقد رشح ماليك لجائزة أفضل مخرج وللسعفة الذهبية في مهرجان كان عن الفيلم. وأخيراً الفيلم التحفة ‘’الخيط الأحمر الرفيع’’ THE THIN RED LINE الذي حققه العام 1998 أي بعد عشرين عاماً من التوقف ومن الاختفاء حيث عاش في عزلة افتراضية. رشح عن هذا الفيلم لجائزتي الأوسكار كأفضل مخرج وأفضل سيناريو، كما فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.‏‏

هناك استمرارية عميقة، بين خلفية ماليك الفلسفية من هايدغر، فيتجنشتاين وكانط - مع الحوارات الرياضية والشك، من احتمال أن يكون العالم الذي نراه ليس هو العالم كما هو، أن العالم لا يمكن معرفته إنسانياً، أو قابلاً للمشاركة - والرؤية بلا شفقة من ويل سيموني الكاثوليكي. بالنسبة إليه وبالنسبة إلى الجنود في فيلمه الخيط الأحمر الرفيع، فتنة تجعل القدر يبدو غائباً لبعض الوقت، أكثر من غياب رجل ميت، وأكثر من غياب النور في الظلام المطلق. وهناك نوع من الرعب يغطس الروح كلها. خلال هذا الغياب ليس هناك حب. حياة الرجال على أرض المعركة في المحيط الهادي، سلسلة من الأحداث الوحشية اللاإنسانية، وهذا المجال الدنيوي للآلة يتخذ فقط معنى في المسافة التي لا يمكن تجاوزها بين الله والعالم الكوني، الفراغ الإلهي الصمت الذي يملأ الهاوية. كل أفلام ماليك تتعالى عبر هذه المسافة والصمت.‏‏

ثم فيلم ‘’العالم الجديد’’ THE NEW WORLD. وتدور أحداثه في البدايات المبكرة للقرن السابع عشر عندما يتعرف المكتشفون الأوائل على البراري الأميركية الشاسعة، وعلى سواحلها وأراضيها المحمّلة بتاريخ إنساني يمتد لخمسة آلاف عام من خلال شبكة معقدة من الثقافات القبلية للأعراق الهندية وبمختلف أطيافها وجذورها الإثنية والدينية المتمايزة.‏‏

ولكن ابتداء من العام 1607 تقوم ثلاث سفن بريطانية صغيرة تحمل على متنها حوالي مئة بحار، بقطع المحيط للوصول إلى سواحل فرجينيا وتأسيس ما يشبه المنظومة الدينية والثقافية والاقتصادية المختلفة في هذا العالم الجديد والبكر.‏‏

عندما يطأ هؤلاء البحارة أرض فرجينيا يجدون أنفسهم وسط حضارة قبلية مستقلة بذاتها هي حضارة شعب ‘’البوهاتان’’. و يقوم أحد البحارة الإنجليز ويدعى جون سميث بالتعرف على فتاة هندية كي تساعده في مهمته، يكتشف أنها أقرب ما تكون إلى روح غابوية طليقة من كونها امرأة، كانت تتصف بالعناد والتمرد، وكان قومها يطلقون عليها لقب ‘’بوكا هانتيس’’ أو «الفتاة اللاهية». تتحول العلاقة المتوترة بينهما إلى ما يشبه الاستلطاف والحب الحذر الذي ينمو وسط طبيعة ساحرة ووسط الغرابة والفضول والمحرمات العقائدية والمغامرات الروحية والجسدية الضارية، في مكان بقدر ما هو فردوسي وحالم، وبقدر ما هو وحشي ومفعم بسوء الفهم وبإراقة الدم أيضا! ورغم قلة أفلامه استطاع ماليك أن يحقق نجاحاً باهراً مما حدا بالجميع لترقب أفلامه التي تجد على الدوام فضاء من الجدل والغموض والحوار. نحن دائماً قريبين من عالم هش. التجربة الوحيدة لجميع شخصيات أفلامه هي تجربة عابرة للزمن بدلاً من ثباتها بمكان - متحولة، لحظة من الراحة أو جبل بين الاضطرابات، وبين الكوارث «الموت في كل مكان في أفلامه».

هذه هي أيام من السماء، و “أيام السعادة التي كنا نعيش... وذهبت إلى غير رجعة” «الأراضي الوعرة»، و”المجد” أثار مراراً ويت «جيم كافيزيل» في الخيط الأحمر فيما يتعلق بذاكرة الطفولة الرقيقة.، الزمن عبر رؤية ماليك للسينما، عبر عنه الشاعر الكبير المكسيكي أوكتافيو باز: الوجود والشفرات في العالم، والشفرات تمضي. وتبقى ندبة، وأثر الجرح الزمني: فهي لحظة، لحظات. ومن معنى الإشارة إلى كائن معين، مطلوب كائن لن يحقق أبداً.‏‏

في رسم مستويات أعمق بأسلوبية بصرية، سينما ماليك ظلت تبين لنا هذا الصراع بين الضوء والماء، وبين المرسوم وخراب الأراضي الوعرة، كما قال ماليك في ذلك الوقت، شخصياته لا تعرف سوى كيفية الرد على ما بداخلها. لا اتصال مع الخارج، والعالم. إنهم لا يفهمون ما يشعر الناس إزاء الآخرين، و”أيام النعيم” يأخذ تطوره النوعي من الرؤية الكونية لمورناو أو كينجي ميزوجوتشى: فجأة كل الأشكال والمواد هي في حركة مستمرة حول بعضها البعض، وباستمرار، إعادة تحديد وتحويل بعضها البعض. في فيلم، الخيط الأحمر الرقيق، مع النظام العالمي الجديد، دخل علينا بشكل كامل في الصورة لا يمكن التوفيق بينها برز النضال بين النور والمياه: الموحلة الصامتة، والألوان القاتمة من عسكريين يرتدون الجيش، والانتقال عبر الأعشاب أو المياه، تواجه مع الإبهار الواضح، للجمال أو سمو الموت الرهيب.‏‏

في شجرة الحياة قصيدة سينمائية شعرية يبدع ترينس ماليك عبرها في محاولة استكشاف معنى الحياة في ساعتين و18 دقيقة هي زمن العرض، ويجمع لأول مرة النجمين براد بيت وشون بين. الممثل براد بيت كان قد حل بديلاً للنجم الراحل هيث ليدغر الذي كان من المقرر أن يلعب دور البطولة في هذا الفيلم الذي يجمع بين الرمزية والسريالية والخيال والسيرة الذاتية. وتدور قصته حول أب ترك أسرته لعقود من الزمن وبعد ذلك قرر العودة والبحث في المعنى الحقيقي للعلاقة بينهم.‏‏

تجرى الأحداث عام 1950 حيث حكاية جاك الصبي في الحادية عشرة من عمره، ورحلته من طفولته البريئة ثم مرحلة الصبا إلى خيبة الأمل مع سنوات النضج كونه فقد روحه بهذا العالم المعاصر وسعيه لاستعادة معنى الحياة وعلاقته مع والده وأخوته، حيث يجد جاك نفسه ضائعاً، وعلاقته تشهد كثيراً من التوتر مع والده الذي راح يفقده نتيجة عصبيته وحدته وهو انعكاس لظروف عمله، وحينما يفقد جاك العلاقة السوية مع والده يحاول تعويضها بالعلاقة مع والدته وأخواته والتي هي الأخرى تأخذ أنماطاً من الحدة كنوع من تأكيد الذات. ونعيش تلك المشهديات بين زمنين الأول فقدان الأخ والثاني فقدان الأب.

يختبر جاك أول تجاربه مع المرض والمعاناة والموت فيتحول العالم أمامه إلى مكان يصعب العيش فيه.‏‏

ويكبر الطفل ويشعر أن روحه تائه في العالم الحديث ولكنه يحاول مسامحة والده ويغفر له ليأخذ بعد ذلك خطواته الأولى في الحياة وتنتهي القصة بزرع الأمل من جديد وتسليط الضوء على الجمال والمتعة في كل شيء حول جاك. ومن خلال ذلك السياق تذهب بنا الكاميرا إلى تحليل عميق ومتأمل في حالة الفقدان؛ حيث نبدأ بالخلل في العلاقات مع الآخرين ومحاولة تقليص الهوة إلا أنها تأخذ في الاتساع. وتبدأ المواجهات والرفض وكم آخر من الحكايات التي تتحرك في زمنين مختلفين الأول الطفولة والثاني الكبر. ويجسد لنا من خلال لحظات سريالية الظواهر البركانية وانجرافات المياه العظيمة والكثير من الظواهر تذكر الابن أباه في صغره واستعادة لحظات حياته الماضية والتي تحيط بها كآبة كبيرة لأسباب كثيرة و منها المرض الذي أصابه.‏‏

شجرة الحياة فيلم متفرد قوي جداً عن الذكريات والعواطف والحب والضياع والروحية، ومكاننا في العالم. هناك لغز ما إذا كان قصة صغيرة عن الحياة أو صورة واسعة من الحياة. يعطينا شعوراً ملحمياً وغنائياً يتوسع، يضيئ باستحضاره الشعري جزءاً من طفولة المخرج، التي هي جزء من هذا الكون الغارق في آلامه.‏‏