ما لم نكتبه جميعاً
خيري منصــور
* دار الخليـج
ذات يوم، وبمعنى أدق ذات حُريّة، سوف نذرف الدموع دماً على ما أضعناه وبددناه في الهمس أو الثرثرة الآمنة في المجالس الخاصة، سوف نبكي على كتب لم نكتبها وعلى مقالات ما أن خطرت فكرتها في الذهن حتى طردناها، لأننا أجَدْنا تقمص دور الرّقيب أكثر منه، وزايدنا عليه كي نُؤْثر السلامة . وقد نكتشف بعد فوات الأوان أن الآخرين ممن اقتربوا من واقعنا استشراقياً أو تَلَصصاً قالوا ما لم نقله .
هذا ما نحس به ونحن نقرأ فرنسياً كتب عن أزقة عواصمنا ما لا نعرفه، وعن إيطالي ثقب ثمرة اليقطين وجلس داخلها كي يكتب عن كل ما هو داخلي وغير مرئي منها على السطح .
وحين قرأت ما كتبه ريجيه دوبريه عن الصيدليات في العالم العربي كنموذج لانقطاع الأسباب عن النتائج، حيث أصبح الدواء فيها هامشياً قياساً إلى أدوات التجميل والإكسسوارات، شعرت بأن هناك من ينوب عنا بلغة أخرى، وتكرر الأمر مراراً في فلسطين حين كتب صحافيون غربيون ومنهم يهود عن أدق التفاصيل المجهولة لدينا عن بلادنا .
باختصار ما لا نكتبه نحن أو نتردد في مواجهته يكتبه الآخرون، لكن بطريقتهم، وأحياناً يملأون ما بين السطور بالألغام .
وحين نعود اليوم إلى القرن التاسع عشر العربي بكل ما كان يعجّ به من استبداد واستعمار وانتداب يُصيبنا الهلع إذا تخيلنا ذلك القرن وقد مضى بلا شهود، مثل الكواكبي في كتابيه “طبائع الاستبداد” و”أم القرى”، ومن عاشوا معه في زمنه من النهضويين العرب الذين طردوا من ديارهم لأنهم دافعوا عن لغتهم وعروبتهم .
الكاتب العربي قد يتجنب تسعين في المئة مما يجب عليه أن يقول، أما العشرة في المئة المتبقية فهي مكرسة للدفاع عن حقه في أن يقول شيئاً ما حتى لو لم يكن متناسباً مع جسامة الأحداث التي تحاصره . وقد اضطر مؤرخ مكسيكي إلى ترميم الفجوات في عصر ما بأن حاول فهم ما كان يجري من خلال روايات وحكايات وأنماط عيش، منها الأثاث والعمران .
يقول برخت الشاعر الذي أغمض رموشه على بشرية بأسرها “بماذا نجيب القادمين من صلبنا إذا سألونا لماذا صمتّم عندما كان الدم يسيل في الشوارع”؟
أجزم بأننا سنعاقب ذات يوم على ما لم نكتب تهرباً أو تجنباً أو إيثاراً للسلامة، أكثر مما سنكافأ على ما كتبنا، لأن تسليط الإضاءة على زاوية من المسرح قد يراد بها تعتيم وإظلام زوايا أخرى، لهذا لم يستطع جان جاك روسو في مذكراته، رغم صراحتها وما اعترف به من ممارسات شاذة، أن يخدع المؤرخين من أحفاده، ومنهم من قال إنه سلط الإضاءة على مواقف أخلاقية جريئة كي يعتم على مساحات أخرى تخصّ الآخرين .
إننا بفضل ما تراكم من الخوف والاحتراز والخشية من التأويل نضطر ككتّاب عرب إلى التلميح أكثر من التصريح، أو إلى التحليق عالياً بحيث يصبح حجم عمارة شاهقة بحجم علبة كبريت .
ما يضيع الآن لمختلف الأسباب لن يعوّض، وإن كان هناك من يضيفون إلى حواسيبهم إحصاءات الخسائر المترتبة على شحة حرية التعبير فسوف يجدون أنها فادحة وفاضحة .