الأسرة، الأم، الوطن في «وما زالت سعاد تنتظر»
* الدستـور الاردنيــة
أسرة رشيد وسعاد، التي تنتمي إلى بلدة (قلقيلية)، ابتدأت سيرتها مع نهاية حقبة الهيمنة التركية العثمانية على فلسطين، في العقد الثاني من القرن العشرين، حيث هُزمت تركيا، مع حليفتها ألمانيا، في الحرب العالمية الأُولى، وهو ما مهّد لاحتلال بريطانيا فلسطينَ، ووضعها تحت الانتداب، وبدء التسلل الصهيوني، برعاية بريطانية، واشتعال الثورة الفلسطينية الكبرى، 36-39، وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية، وحرب الـ48، الاحتلالية الصهيونية، ووقوع أوسع مساحة، من فلسطين تحت الاحتلال، وضم الضفة الغربيّة إلى الأردن، ووضع قطاع غزّة تحت أُمرة حاكم مصري.
لم تتوقف نكبات الفلسطينيين عند هذا الحّد، فقد أسقطت حرب حزيران، 67، بالعرب هزيمة كارثيّة، كان من نتيجتها استكمال العدو الصهيوني احتلال كل فلسطين، ناهيك من الجولان السوري، وسيناء المصريّة.
في أجواء الحروب، والهزائم، والخيبات، عاشت أُسرة رشيد وسعاد، وإذا كان الاحتلال يتربص بقلقيلية، قبل حزيران، 67، كونها تقع على مقربة من «الحدود» التي فُرضت بعد نكبة 48، فإنها باتت تحت احتلاله مباشرة لتتفاقم معاناتها، مع أبناء شعبها المنكوب، مرّةً أُخرى، والذي خاب رجاؤه بالتحرير الموعود.
لا يكتب فايز رشيد رواية تأريخيّة، ولكنه يستثمر الوقائع والأحداث التاريخيّة، التي تنعكس على المجتمع الفلسطيني، ومنه أُسرة رشيد.
فشلَ زواج رشيد من ابنة عمّه فاطمة، العنيدة النكدة، ولم يجد أمامه سوى الطلاق، بعد أن أنجب منها طفلةً، وهذا الزواج بني على القرابة، وانعدام الحب، انصياعاً لبعض التقاليد والمفاهيم التي لا تقيم وزناًَ للمشاعر.
ما إن تحرر رشيد من زوجته النكدة حتى خفق قلبه لبنت كانت تعيش، مع شقيقتها، في كنف جدتهما، بعد أن اقتيد والدها (حسين) إلى السفربرلك، وطال غيابه، ولم يعد ـ مثل كثيرين سيقوا إلى الحرب ولم يعودوا.
هذا الحب تكلل بالزواج الذي نما في أجواء الحب والاحترام: «سعِد رشيد بالزواج، وفرحت سعاد عندما لاحظت، منذ أوّل يوم، تعامله معها، فهو لا يناديها باسمها، بل ينادي عليها (بالسّت)، وهو يحرص على شعورها»، ص 75.
تمتد حياة الأسرة ـ الأب، والأم، والأبناء، والبنات، والأحفاد ـ حتى زمن المقاومة، والانتفاضتين.. إلى يومنا هذا، تقريباً؛ فسعاد ما زالت تنتظر، والرواية تبقى ـ في ختامها ـ مفتوحة، بينما سعاد المُعمّرة ممددة في الفراش، ولكنها لم تمت، فالكاتب ينهي روايته بالفقرة التالية: «في الغرفة ثمّة ملائكة، بأجنحة بيضاء، ترقب لحظة العبور، تحاول التخفيف من هول اللحظة، تجعلها طبيعية، تلقائية لها.. في انتقالها.
تجمّع حشد الأبناء والأحفاد، من حولها؛ لون أصفر يكسو وجهها؛ عيناها مثبتتان في ركن قصي؛ دمعتان حارتان انسكبتا، من عينيها؛ يكتسي وجهها بلونه الوردي، في ملامحه ابتسامة حنونة تنّم عن رضى كامل. اعتقدوا أنها ماتت.. لم تمت. الأم مثل الوطن، والوطن لا يموت.. وما زالت سعاد تنتظر»، ص 373.
خاتمة رومانسية، تمجّد الأم، وتختتم رحلة حياتها بمشهد كبير للأسرة الكبيرة، رغم موت بعض الأبناء، وغياب بعضهم، وفقدان رب الأسرة: رشيد الكبير.. الذي يتناسل في رشيد آخر هو حفيد يجدد الاسم، ويضمن التواصل والاستمرار.
يضطر الابن الأكبر، عاهد، للمغامرة والسفر إلى الكويت، لمساعدة الأسرة الكبيرة، وينضم عيسىى للشرطة، ويقع في قصة حب مع عبير، ابنة الشخصية الكبيرة، وتنتهي قصّة الحب نهاية درامية: انتحار الحبيبة بتناول كمية كبيرة من الأدوية، وإطلاق عيسىى رصاصة على رأسه، وفاءً للفتاة التي اختارته وأخلصت له، رغم الفارق الاجتماعي بينهما، وتحدياً لأسرتها التي رفضت زواجها منه، وأرادت تزويجها من عريس تقدّم لخطوبتها، فوافقت عليه الأم التي كانت تعرف بحكاية ابنتها، كونه مناسباً، اجتماعياً.
فايز رشيد طبيب، من حيث المهنة والدراسة الأكاديميّة، وهو ـ بوعيه وانتمائه السياسي ـ اختار الكتابة، ولم يكتف بمعالجة أجساد مواطنيه. هو باحث وكاتب صحفي ينشر مقالاته في عديد الصحف العربيّة. كتب القصّة القصيرة، ولفت الانتباه بمجموعته القصصية الأولى «وداعا أيها الليلك»، وأنا أُشير لها بالمجموعة الأولى لأنه يعّد لمجموعة جديدة بعنوان «ذهبت مع الخريف»، وهو ما يؤكّد اهتمامه بكتابة القصّة القصيرة، التي باتت إحدى مشاغله الكتابيّة، التي يعبّر بها عن نفسه، ورؤيته الحياتيّة، وهو ما تقصّر عنه الكتابة السياسيّة، والبحثيّة.
إذا كان الدكتور فايز رشيد قد ولد في عام 1950، كما نقرأ في سيرة حياته، فلماذا تأخّر كل هذا الوقت حتى يكتب روايته «وما زالت سعاد تنتظر»؟ وهل سيكتب رواية أخرى، بعدها، أم تراه أفرغ ما يثقل على ذاكرته، بهذا العمل، ليبقي ذكر من فقدهم من أُسرته، ووفاءً لوالدته التي يبدو أنه تعلّق بها، وأعجب بها، وأحبها.. كونه آخر العنقود بين الأبناء الذكور، والذي غاب عنها، كثيراً وبعيداً، في روسيا، حيث ذهب للدراسة بعد أن اعتقل ونفي من الوطن، بينما سعاد تنتظر عودته ليتزوج ويبني أسرة في بلدته قلقيلية؟
ليس غريباً أن يكتب فاز رشيد روايته كما لو انه يكتب سيرة بهاجس تكريم ذكرى أفراد أسرة شردوا في أربع جهات الأرض، ولكنه، وهو الكاتب والناشط السياسي، كتبهم في سياق سيرة الوطن ـ فلسطين ـ على مدى قرابة مئة عام؛ تلك الأسرة التي ضحّت، وشارك أفرادها في الحروب، والثورة، والمقاومة، وانخرطوا في الفعل السياسي، ودفعوا الثمن بقناعة ورضى.
في الرواية يكبر الإبنان: عاهد، وعيسى، ويشاركان في ثورة 36-39 الكبرى، ومن خلالهما يتعرّف القارئ إلى بطولات الثوّار، وتضحيات الشعب الفلسطيني، وكذلك إلى الجوانب السلبيّة، التي أعاقت نمو الثورة وتطوّرها، لا سيّما العشائرية، وصراعات بعض القادة المحليين على (القيادة)، والاستفراد بها، وكيد بعضهم ببعض، وانقسام العشائر والحمائل بينهما، وهو ما سهّل اختراق عيون العدو صفوفَهم.
ينضم عيسى لفصيل حسن أبونجيم، بينما ينضم شقيقه الأكبر لفصيل فارس العزوني، ومن خلال الشقيقين يقدّم الكاتب جوانب الصراع بين القائدين المحليين، وسعي كل منهما للاستفراد بالقيادة، وهو ما بدد قدرات الطرفين، فافتقاد (الوحدة) الوطنية، وتدني الوعي، هما من الأمراض القاتلة، وفي مقدمة أسباب الفشل، في الثورات.
انتهت ثورة فلسطين الكبرى 36-39 بالفشل نتيجة عوامل عدة، منها: الدور العربي الرسمي، والصراع الداخلي بين القيادات، والأساليب المتخلفة الاستبدادية في التعامل مع الشعب، وهو ما نلمسه في ممارسات فارس العزوني، الذي يفرض مبالغ باهظة على الفلاّحين الفقراء، ويعرِّض من لا يدفع منهم للعقاب الذي يصل، أحياناً، إلى الإعدام، ص 140.
هذا القائد كان وطنياً مخلصاً، ولكنه لم يدرك أهمية العلاقة الثورية بالجماهير، العلاقة القائمة على تقدير ظروف الجماهير، وإمكاناتها المادية المتواضعة، خاصة أنّ هذه الجماهير فلاّحية فقيرة منهكة بالضرائب التي يفرضها الانتداب عليها.
تنبه الرجل للأخطاء، ولكن من بعد فوات الأوان، وبتأثير من عاهد ـ الابن الأكبر لرشيد ـ وانتهى فارس العزوني شهيداً، على حبل المشنقة، بعد أن سلمه الانتداب الفرنسي، الذي قبض عليه في لبنان، لقوّات الانتداب البريطاني.
هناك عامل يجب أن لا يغيب عن بالنا، وهو من أهم العوامل التي أدّت إلى فشل الثورة الفلسطينيّة الكبرى: ضراوة أساليب الاستعمار البريطاني في مواجهة الشعب الفلسطيني وثوّاره، والدور الصهيوني في تقديم الخدمات للإنجليز، في مطاردتهم للثوّار، والعمل على اختراق صفوفهم، وهو ما اتضح من خلال شخصية الحاج محمد الحجازي، الذي يتكشف ـ بعد متابعة تحركاته ـ أنه يهودي مستعرب، وأنه اخترق صفوف الثوار في وقت مبكر بعد أن أتقن اللغة العربيّة، وعمل على إفساد العلاقة بين نجيم والعزوني، وتسبب في إعدام كثير من الأبرياء الذين كان يلفّق لهم تهمة خيانة الثورة، بغية تشويه سمعة الثورة، ودفع الجماهير للكفر بها، وعدم الثقة بقادتها.
بالمناسبة، ثبت أن الحركة الصهيونية أنشأت وحدات خاصة مستعربة، في العشرينيات، والثلاثينات (من القرن الفائت) كانت مهمتها التجسس على كل جوانب الحياة الفلسطينيّة، وعملت على اغتيال بعض الناشطين، وهو ما أدى إلى عمليات ثأر وقتل متبادل، في غفلة من القيادات الفلسطينيّة التي كانت تجهل أساليب الاختراق الصهيوني المبكّر، والمستمرة حتى يومنا هذا.
ولأن الوعي يرتبط، غالباً، بالتعليم، فإن الأستاذ حسني ـ في الرواية ـ هو الذي ينشر المعرفة بين الناس البسطاء الريفيين، الذين يسألون، والأستاذ حسني الذي يبذل جهداً لتبصير الفلاّحين بحقائق الأمور، بانحياز تركيا في الحرب إلى جانب ألمانيا، في حرب لا ناقة ولا جمل للعرب فيها، ص 15.
وهو نفسه الذي يضع أمامهم حقائق خافية عن نوايا بريطانيا، وأطماع الحركة الصهيونيّة في فلسطين، ويحرّض على المقاومة حتى لا تضيع فلسطين. هذا الأستاذ شخصية محورية في الرواية، وهو أستاذ عاهد، الابن الأكبر لأسرة رشيد وسعاد، سياسيّاً ووطنيّاً.
قرأت هذه الرواية مخطوطة، وتناقشت مع صديقي، الدكتور فايز، حولها، ومن ثمّ عدت وقرأتها بعد صدورها.
«وما زالت سعاد تنتظر» رواية/ سيرة، لأسرة فلسطينيّة، تتشابه ظروف حياتها مع حياة أُسر فلسطينيّة كثيرة نُكبت وتشردّت، وأنجبت، رغم كل الظروف، وعلمّت أبناءها وبناتها الذين ظهر بينهم من يكتب سيرة العائلة، والوطن، والأم الفلسطينيّة، حتى تعرف الأجيال، ولا تنسى، وتبذل أقصى ما تستطيع لتتحقق العودة إلى سعاد، التي ما زالت تنتظر، والتي هي أم ووطن.
* صدرة الرواية عن منشورات الدار العربيّة
للعلوم ناشرون، بيروت 2011